كتاب عربي 21

جرّة الغاز وسقوط الداعية!

1300x600

الحديث كثير هذه الأيام عن شح المحروقات في مناطق سيطرة النظام السوري، وارتفاع سعر أسطوانة الغاز فيها، ومن ضمن هذا الحديث استعراض مواقف بعض الممثلين السوريين، الذين رفعوا نبرة الاحتجاج على هذا الموضوع تحديدا. وكما هو الحال غالبا، لم نسمع منهم أي حديث عن الذين يموتون حقيقة بين الثلوج وتجمعات الماء وداخل مخيمات اللاجئين. لماذا يصير البرد مشكلة في حقّ الإنسان في مكان دون آخر؟

الذين خرجوا أطفالا من سوريا صاروا اليوم في عداد المراهقين أو الشباب، والذين ولدوا خارج سوريا بعد خروج آبائهم وأمهاتهم منها، صاروا أطفالا مميزين، هذا وبالتأكيد من ضمن الأطفال اللاجئين رضع، وهؤلاء كلهم، لم يكن لهم في الثورة السورية أدنى تدخل أو مشاركة، ولعل هذا هو حال غالب الآباء والأمهات. وقد كانت المعارك، ولم تزل، في كل مكان شهدها، تدفع العزّل عن ساحة البارود، وهم بهذا الاعتبار على الأقل، ليسوا طرفا سياسيّا، وبهذا الاعتبار يوفرون لأكثر من يتحدث عن "الإنسان" و"الجمال" فرصة للتعاطف معهم.

حين وقع الاختبار السوري، وقع بما هو اختبار أخلاقي، وبعد أن انقسم الصفّ الفنّي السوري.. الذين اختاروا المنطقة الرمادية، كانت حُجّتهم أنهم فنانو الناس كلهم، بأطيافهم كلها، وأن السياسة ليست من ضمن انشغالاتهم، وأن الفنان ليس مضطرا لتقديم موقف سياسي..

 

انقسم الصفّ الفنّي السوري.. الذين اختاروا المنطقة الرمادية، كانت حُجّتهم أنهم فنانو الناس كلهم، بأطيافهم كلها، وأن السياسة ليست من ضمن انشغالاتهم

يمكن لنا أن نذهب أكثر من ذلك ونقول: إن الفنان، هو إنسان، بضعفه وأهوائه وغرائزه، ويمكنه أن يختار السلامة، أو أن ينحاز لأسباب غريزية صرفة لهذا الطرف أو ذاك، هذا ما دام الأمر في إطار السياسة، بيد أنه يمكنك تماما أن تقدّم خطابا أخلاقيّا يلامس إنسانية خصومك، وهذا الذي لم يفتقده بعض الفنانين السوريين فحسب، بل الكثيرين، من سوريين وغير سوريين، ممن كانت صنعتهم الإفراط في الحديث عن "الإنسان" و"الجمال"، ومحو الحدود الدينية والطائفية والعرقية والسياسية بين البشر، وضمهم كلهم إلى لفيف إنساني واحد.

يمكن لنا أن نتفهم ضعف هذا الفنان، وكذا انحيازاته السياسية المؤسسة على هذا الاعتبار أو ذاك، لكن من قال إن هذا الفهم لضعفه، يمنع محاسبته، لا سياسيّا، ولكن من جهة الادعاءات التي بنى عليها صورته، وقدّم بها نفسه للجمهور، سواء في أعماله، أو في خطابه العام؟!

لعل الرئيس بشّار الأسد يفسّر جانبا من مشكلة الإحساس بالبرد السوري، وذلك بحديثه، في وقت سابق، أن سوريا الآن أصبحت أكثر تجانسا، بمعنى أن العوائل (بأطفالها وشيوخها ونسائها) التي خرجت من سوريا، كانت تخلّ بالتجانس السوري، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّها تختلف (في الجوهر الإنساني) عن هؤلاء الذين ظلّوا في مناطق النظام، وعبّروا بشكل ما؛ عن تأييدهم له، وطالما أن المشكلة في الجوهر الإنساني، فلا غرابة إذن أن يكون الإحساس بالبرد، أو الموت بالبرد مختلفا بين هذه الجغرافيا أو تلك؛ لأنّ الجوهر الإنساني ذاته مختلف!

 

بشّار الأسد يفسّر جانبا من مشكلة الإحساس بالبرد السوري، وذلك بحديثه، في وقت سابق، أن سوريا الآن أصبحت أكثر تجانسا، بمعنى أن العوائل (بأطفالها وشيوخها ونسائها) التي خرجت من سوريا، كانت تخلّ بالتجانس السوري

المشكلة في ادعاءات الفنان الإنسانية، التي تتناقض مع فحوى ذلك الخطاب الذي سبق وقدّمه الرئيس السوري، وتدعو (أي ادعاءات الفنان) دائما للإنسان من حيث هو إنسان، لكن لماذا يسقط الفنان حين الاختبار الحقيقي الذي تُفحص فيه صدقية تلك الادعاءات؟!

لماذا يسقط الفنان؟! وتنهار ادعاءاته تلك؟! هل الضعف وحده كافٍ لتفسير ذلك؟ بيد أن المساحات التي تتيح له الانسجام مع ادعاءاته موجودة دائما. الحقّ؛ هذه ليست مشكلة الفنان وحده. فالساقطون في اختبار السنوات الأخيرة هم من كل مجالات الانشغالات العامة، حتى لدى بعض من هؤلاء الذين بنوا جانبا من شرعية وجودهم على المبرر الأخلاقي، بما في ذلك حركات إسلامية، ومعارضات من كل صنف ولون. صحيح لا يخلو الإنسان من ضعف وتناقض، ولكن فجاجة التناقض بين الادعاء والممارسة مما ينبغي أن يكبر مقتا عند كلّ ضمير حيّ.

ملاحظة: ينصرف الذهن حين إطلاق لفظ "الداعية" على الدعاة في الحقل الديني، ولكن المقصود منها كل من يدعو لشيء، وفي هذه المقالة: الفنان الذي يدعو لقيم الإنسانية والجمال.