بورتريه

"الحجي" المستشار.. هل يحمل حقيبة "الداخلية" العراقية؟

فالح الفياض- عربي21

لا يمتلك كاريزما طاغية بين السياسيين العراقيين، فقد اعتاد أن يكون الشخص الثاني دائما، فهو لاعب متمكن في الملعب العراقي لا يحب الظهور الإعلامي، يفضل البقاء خلف كواليس المسرح، رغم أنه من المؤثرين في بلاده، خصوصا في كل ما يتعلق بالملف الأمني.

لا يتكلم كثيرا، ولا يدلي بتصريحات للصحافة، ويحيط جميع خطواته ومهامه بنوع من الكتمان والسرية. يفضل أن ينادي بلقب الحاج أو "الحجي".

الحجي فالح الفياض المولود في بغداد عام 1956 من أسرة شيعية تقطن شمال شرقي بغداد، حاصل على بكالوريوس في هندسة الكهرباء من جامعة الموصل في عام 1977.

انضم إلى حزب "الدعوة الإسلامية" في وقت مبكر من حياته، وتعرض للاعتقال في عام 1980، وحكم عليه بالسجن المؤبد، قضى منها خمس سنوات في السجن الفعلي.

بعد سقوط بغداد في عام 2003، أصبح عضوا في أول "جمعية وطنية"، ومن ثم عضوا في أول برلمان عراقي في عام 2005 عن قائمة "الائتلاف الوطني العراقي".

رغم أنه أصبح قياديا في "حزب الدعوة" بزعامة نوري المالكي، لكنه ما لبث أن أنشق عن الحزب، ودخل في تجمع "الإصلاح" الذي يتزعمه إبراهيم الجعفري، القيادي السابق أيضا في "الدعوة".

تولى في حكومة المالكي الأولى منصب وزير "الأمن الوطني" حين كان "الأمن الوطني" وزارة دولة بلا حقيبة. لكنه وبسبب إجراءات الترشيق الحكومي تحولت وزارات مثل "الأمن الوطني" و"شؤون المصالحة الوطنية" إلى مستشاريات.

 وفي عهد حكومة المالكي الثانية في عام 2010، احتفظ بمنصب مستشار "الأمن الوطني" بصلاحيات واسعة مكنته من لعب أدوار مهمة داخليا وإقليميا .

كل صفقات السلاح مرت من تحت يده، ولا يعرف دوره بالتفصيل في عقد هذه الصفقات، رغم تسريبات متباينة حول هذا الملف، تشكك أحيانا بسجله، وتمتدح أحيانا أخرى.

أدين الفياض من القضاء الإسباني؛ لدوره في قمع المعارضين الإيرانيين في "معسكر أشرف" من جماعة "مجاهدي خلق" الإيرانية المعارضة، وأطلق الكثير من التصريحات ذات الطابع التهديدي ضدهم.

وقام القضاء الإسباني باستدعاء الفياض للتحقيق معه في جرائم بحق المجتمع الدولي على خلفية هجومي عام 2011 و2013 على معسكر "أشرف"، حيث كان يشغل منصب رئيس "لجنة أشرف" التي تحمل سجلا وماضيا سيئ السمعة.

لم يوقع نفسه بين نيران الخصماء والمتنافسين السياسيين العراقيين، ففي الوقت الذي باتت فيه العلاقة بين الجعفري والمالكي تتميز بالجفاء النسبي، ومن ثم تأييده لتولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء، فقد بقي في منصبه، وتسلم أيضا منصب المشرف على "الحشد الشعبي" في عام 2014.

وهو منصب شبه شكلي؛ لأن القيادة الفعلية كانت بيد أبو مهدي المهندس نائب رئيس "الحشد الشعبي". بقي الفياض على مدى السنوات الماضية بمثابة البديل الجاهز لأي منصب هام، بما في ذلك منصب رئيس الوزراء.

في آب/ أغسطس الماضي، أعفاه رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، من منصب رئيس هيئة "الحشد الشعبي"؛ بسبب "انخراطه في العمل السياسي".

هذه الإقالة لم تعجب تحالف "الفتح"، بزعامة هادي العامري، ثاني أكبر كتلة في البرلمان والمقرب من إيران بشكل وثيق، واعتبر "الفتح" أن قرار إعفاء الفياض من مهامه جاء لعدم تأييد الأخير ولاية ثانية للعبادي.

ولم يكتب لقرار العبادي النجاح، فقد أصدرت محكمة القضاء الإداري في العراق حكما قضائيا ببطلان قرار العبادي بإعفاء الفياض من مناصبه. وقررت المحكمة إعادته إلى مناصبه، وإلزام تمكينه من ممارسه أعماله مستشارا " للأمن الوطني"، ورئيسا لـ"هيئة الحشد الشعبي"، ورئيسا لجهاز "الأمن الوطني".

ورغم أن القوانين العراقية تحظر على المسؤولين الأمنيين دخول غمار السياسية، إلا أن الفياض قام بتأسيس "حركة عطاء"، وخاض سباق الانتخابات البرلمانية الأخيرة ضمن ائتلاف "النصر" بزعامة العبادي.

وفي آب/ أغسطس الماضي، هدد الفياض ونواب آخرون بالانسحاب من ائتلاف العبادي إذا أصر إلى جانب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والداعم لتكتل "سائرون"، أكبر كتلة انتخابية بالبرلمان، على استبعاد ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي من جهود تشكيل الحكومة المقبلة.

ويأتي هذا التطور وسط أنباء تتداولها وسائل إعلام محلية، بأن المالكي عرض على الفياض تولي منصب رئيس الوزراء في حال انسحابه من ائتلاف العبادي وانضمامه إليه.

وثمة مزاد دولي وإقليمي يتصاعد على ترشيحات الحكومة العراقية المكلف بتشكيلها عادل عبد المهدي، فدول عدة تتنافس لفرض مرشحيها، خاصة في منصبي وزارتي "الداخلية" و"الدفاع".

إلا أن "تغريدة" للصدر على موقع "تويتر" جاءت لتوقف هذا المزاد ولو مؤقتا، فبعد أن كاد المتنافسون يتفقون على اسم المرشح لمنصب "الداخلية" تحديدا، أعاد الصدر خلط الوراق من جديد بقوله إن "قرارنا عراقي، جيراننا أصدقاؤنا لا أسيادنا".

هذه التغريدة أصبحت شعار للتيار الصدري، واعتبرت رسالة ضمنية لإيران على وجه الخصوص باعتبارها أكثر الدول تأثيرا في الشأن العراقي، كما عبر الصدر بهذه التغريدة تحديدا عن رفضه لاختيار الفياض المرشح الوحيد لمنصب وزير الداخلية، رغم اتفاق معظم الكتل السياسية عليه كمرشح.

الفياض يحظى بدعم وتأييد إيران وكتل سنية وشيعية وكردية في البرلمان العراقي، وتربطه علاقات جيدة مع الأمريكان، لكن هذا الدعم لا يؤهله تلقائيا للمنصب؛ بسبب اعتراض ائتلاف "سائرون".

البرلمان العراقي لا يستطيع تجاوز "سائرون" والتصويت على مرشحي الوزارات الشاغرة من دون توافق سياسي، وهو أساس العملية السياسية في العراق.

فبالإضافة إلى تأكيد التيار الصدري أن عدم قبوله للفياض نابع من رفضه للسماح للدول الإقليمية بالتدخل في ترشيحات الحكومة العراقية، فإن هناك سببا آخر يتعلق بتراجع الأمين العام لـ"منظمة بدر" هادي العامري، عن الاتفاق مع التيار الصدري على أن تمنح وزارتا "الداخلية" و"الدفاع" لشخصيات كفؤة ومستقلة من القيادات الأمنية في تلك الوزارات.

وطالب الصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بأن يكون اختيار الوزيرين من القادة الميدانين الذين شاركوا في "تحرير" المدن العراقية التي كانت "محتلة" من تنظيم الدولة.

التباين بين الصدر والعامري جعل رئيس الوزراء المكلف عادل عبد المهدي في وضع دقيق جدا، وهو أصلا ومنذ البداية في وضع لا يحسد عليه، فهو يخشى انفراط عقد التحالف الذي يضم ائتلافي "سائرون" و"الفتح"، كما أنه لا يريد الدخول في مواجهة مبكرة مع الائتلافين وما يمثلانه من ثقل شعبي وبرلماني.

ولا يقتصر رفض الترشيحات الحالية على التيار الصدري فقط، بل يضم أيضا تيار "الحكمة" الذي يقوده عمار الحكيم رئيس "المجلس الإسلامي الأعلى"، الذي يقول إن المرشحين المذكورة أسماؤهم غير مؤهلين لتولي الوزارات الأمنية، ومجلس النواب لن يصوت على هذه الأسماء في جلسته المقبلة.

وعبد المهدي يعرف تماما أنه لا يستطيع فرض مرشحي وزارتي "الداخلية" و"الدفاع" على الأحزاب وطرح أسمائهم على البرلمان دون اتفاق وتوافق بين الكتل البرلمانية.

في جلست الأخيرة، يوم الاثنين الماضي، فشل البرلمان العراقي مجددا في التصويت على مرشحي وزارتي "الداخلية" و"الدفاع".

وفي جولة تصويت ثالثة، امتنع البرلمان عن منح الثقة للمرشح لتولي وزارة الدفاع فيصل الجربا، إثر انقسام حاد بين الكتل "السنية" حول المرشح لتولي الحقيبة، إذ يعتبر كل حزب أنها من حصته.

وقبل الشروع بمناقشة التصويت على منصب وزير الداخلية، فقدت الجلسة قانونيتها بعد أن سرب النصاب؛ حتى لا يتم التصويت على المرشح لمنصب وزير الداخلية المستشار الفياض.

وتواجه حكومة عبد المهدي تحديات كبيرة، بينها إعادة الإعمار، خصوصا في مناطق تعرضت للدمار، وإقناع المكون السني بجدية العملية السياسية التي أفقدتهم وزنهم الحقيقي في البلاد وأخرجتهم من المعادلة السياسية، إضافة إلى تأهيل البنى التحتية المتهالكة في عموم البلاد، خصوصا ما يتعلق بالكهرباء، ومحاربة الفساد الذي ازداد بشكل جعل العراق الدولة رقم 12 في تسلسل الدول الأكثر فسادا في العالم.

وستبقى حكومة عبد المهدي غير مكتملة، وتعاني من الضعف؛ بسبب تجاذبات القوى السياسية التي ترفض التنازل عن حصتها من كعكة المحاصصة.

قد لا تبقى حقيبتي "الداخلية" و"الدفاع " العقدة أو الشوكة التي تقض مضاجع رئيس الحكومة، ففي نهاية الأمر سيكون التوافق وليس التصويت العامل الحسم في اختيار وزيري "الداخلية" و"الدفاع"، هل يحسم الأمر في الجلسة المقبلة؟ يبدو الأمر متأرجحا.