قضايا وآراء

دروس من الإدارة التركية لأزمة خاشقجي

1300x600

في الثاني من أكتوبر الماضي أقدمت السعودية على ارتكاب جريمة شنعاء بحق أحد مواطنيها هو الصحفي جمال خاشقجي والذي لم يعرف عنه معارضته للنظام السعودي وإنما مجرد انتقاده من داخل إطار النظام، ولكن من خارج البلاد بعد أن استقر بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث قامت باستدراجه إلى مقر قنصليتها باستانبول وتم تخديره وحقنه بمادة مخثرة للدم ثم قتله فتقطيعه وتذويب جثته والتخلص من بقاياه.

 

كانت تلك جريمة قتل بربرية مع سبق الإصرار، رغم أنها لم تشكل أزمة وجودية للنظام التركي إلا أنها أساءت كثيراً للدولة التركية البلد العريق الذي تعد فيه السياحة صناعة أساسية يقوم عليها اقتصاده،والمستضيف لكل ألوان معارضة النظم العربية القمعية إلا أن الإدارة التركية نجحت بحرفية عالية للغاية في الخروج بمكاسب كبرى عبر إدارتها لهذه الأزمة.

 

فبعد أن كانت تركيا قد دخلت فيما يشبه الحرب الاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية أدت لتراجع الليرة التركية بنحو (40 %) من قيمتها مقابل الدولار.

 

ليصل الأخير لأعلى مستوياته خلال السنوات العشر الماضية على إثر مضاعفة الرسوم على صادرات الصلب والألومنيوم التركيةعلى خلفية قضية احتجاز القس الأمريكي "أندرو برونسون" بأنقره،وتسليح الأمريكان لمليشيات وحدات حماية الشعب الكردية الانفصالية، مما نجم عنه تراجع العلاقات التركية الأمريكية واتجاه أنقره بوتيرة أسرع نحو موسكو وبيكين.

 

جاءت الإدارة التركية لهذه الأزمة لتحصد العديد من المكاسب الداخلية والخارجية التي أعادت تركيا للواجهة وتصدر المشهد من جديد، تمثلت في التفاف الشعب التركي والدولة بكل مؤسساتها حول إدارتها، والثقة في الدولة التركية وأجهزتها كدولة كبرى ذات مؤسسات، حتى أن أردوغان حينما حدد تاريخ 23/10/2018م ليتكلم عن القضية حبس العالم أنفاسه ليسمع ما سيقوله الرئيس التركي. 

 

وقد أدارت تركيا الأزمة بمحاورها الثلاث السياسية والاستخباراتية والقانونية باسترتيجيات مخططة حققت من خلالها حالة من النجاح حتى قبل إسدال الستار على القضية.


أهم الدروس
أولاً امتلاك زمام المبادرة في إدارة الأزمة


على قاعدة من يضع الإطار يحدد النتيجة نجحت الإدارة التركية في إدارة الأزمة بحنكة سياسية بالغة مكنتها من توجيه دفة الأحداث كما أرادت هي لا كما أراد خصومها، ووفق السيناريو الذي رسمته لها منذ البداية.

 

فلم تُستدرج لمعركة ثنائية بينها والمملكةالسعودية أقصى ما يمكن أن تصل إليه قطع العلاقات الدبلوماسية – المتوترة أصلاً – بين البلدين، وإنما قامت بتخطيط إطار جديد للأزمة هي فقط من تتحكم فيه، نجحت من خلاله في استدراج المملكة (بن سلمان) وحلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة (ترامب) لمعركة في مواجهة العالم أجمع بقيمه المدنية والحضارية من الحق في الحياة فضلاً عن احترام حريات الصحافة والرأي والتعبير وغيرها من الحريات والحقوق الأساسية للإنسان.

 

حتى امتدت هذه المعركة إلى داخل المجتمع الأمريكي وبين مؤسسات الحكم فيه ووقف ترامب وحيداً إلا من رجليه (بومبيو وماتيس) في مواجهة الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ ووكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) وكل الآلة الإعلامية الأمريكية الجبارة بكل روافدها.


هنا لابد من الإشارة إلى إدارة تركيا للأزمة وفق استراتيجيات ثابتة ومحددة سلفاً ومنهجية مدروسة لتحقيق ما تصبو إليه من نتائج ومن ثم لم تستنفر للإساءة البالغة المتمثلة في اختيار أراضيها دوناً عن العالمين لتنفيذ هذه الجريمة الوحشية.

 

ولم تطلق العنان لغضب مسؤوليها وإعلامها في سب الإدارة السعودية واستعراض مثالبهاعقاباً لهم على اختيار أراضيها لتنفيذ جريمتهم، وإنما كان آخر دوافعها في إدارة الأزمة الرد والانتقام، فجاء مبهراً حتى أن أحداً لا يستطيع أن يجزم بحجم المعلومات الذي لم تفصح عنه تركيا للآن، ومتى ستفصح عنه، ومدى تأثيرها، لكن المؤكد للجميع أن تركيا تستطيع أن تقلب الطاولة وتغير مواقف الأطراف الرئيسة للقضية في أي وقت وفق رؤيتها ومخططها ومصالحها وحدها.


ثانياً منهجية الفكر الاستباقي والتخطيط على أكثر من محور استشرافاً لردود الأفعال:

كل الشواهد تؤكد وقوف الإدارة التركية على الجريمة بكل تفصيلاتها بعد ساعات من وقوعها وبغض النظر عن مصدر ذلك، فلسنا هنا بصدد تقييم شرعية مصدر معلومات الاستخبارات التركية عن الحادث، إلا أن الإدارة التركية نجحت في إدارتها لتلك المعلومات عبر سياسة التنقيط أو الجرعة جرعة، من خلال تسريب تفاصيل الجريمة تدريجياً من الإعلان عن فريق الاغتيال وتحديد مهام أعضائه مروراً بتفصيلات عملية الاغتيال ذاتها من من قبيل خنق الضحية واستغاثته بأنه يعاني من فوبيا الخنق وتقطيع أصابعه واستخدام منشار كهربائي لتقطيع جثته وغيرها.

 

ونتيجة لهذه السياسة نجحت في الحفاظ على سخونة القضية باستمرار وعدم قابليتها للتجاوز أو النسيان إذ باتت تمثل الحدث الأبرز المتصدر لكل عناوين الصحف العالمية ونشرات الأخبار على مدار أكثر من شهرين.

 

حتى في يوم انتخابات الكونجرس الأمريكي كانت تسريبات مقتل خاشقجي تتصدر عناوين كبريات الصحف الأمريكية، كما نجحت هذه السياسة في استدراج السعودية للاعتراف بجريمتها فبعد الإنكار التام لوقوع الجريمة وخروج خاشقجي من السفارة بعد عشرين دقيقة كما جاء على لسان بن سلمان لصحيفة بلومبرج، جاءترواية القتل الخطأ لخاشقجي أثناء التحقيق معه، ثم اعتراف النائب العام السعودي بأن الجريمة كان مخططاً لها من قبل.

 

بل حتى داخل الولايات المتحدة نفسها تغير موقف الرئيس الأمريكي تبعاً لهذه السياسة وما نجم عنها من معلومات الأمر الذي أسفرعن ضغوط هائلة عليه وإدارته، فبعد أن نفى الجريمة عن بن سلمان نفياً قاطعاً، كان أول من روج لروايةالقتلة المارقين الذين نفذوا العملية من خلف ظهر الإدارة السعودية، وانتهاءً بأن بن سلمان ربما يكون هو من أمر بالقتل وربما لا،حتى قال الإعلام الأمريكي أن أردوغان– من خلال إدارتهالمحنكة لهذه الأزمة – يتلاعب بترامب.


كذلك فإن مساندة تركيا لهذا المسار (الداخل الأمريكي المواجه لترامب)وربما دعمه بشكلٍ غير مباشر كما وضح من التسريبات التركية المستمرة للصحف الأمريكية، وكتابة أردوغان لمقال يتناول الحادث في الواشنطن بوست، ومقابلة رئيس مخابراته لبعض أعضاء مجلس الشيوخ، وغيرها من الإجراءات التي من الواضح أنها تأتي ضمن إطار مخطط إدارة الأزمة.


ثالثاً إدارة التوافقات السياسية لتحقيق أقصى مكاسب:


الدرس الأبرز في الإدارة التركية لهذه الأزمة هو إدارة التوافقات السياسية مع الخصوم قبل الحلفاء والأصدقاء، فالسياسة ليست كلها اتفاقات مباشرة، ففيها مساحات كبيرة للتوافقات حيث قد تجمع وحدة اتجاه الدفع في قضية ما بين الخصوم السياسيين الذين تجتمع مصالحهم في هذه القضية وحدها مع تسكين وربما بقاء الخلاف بينهم في قضايا وملفات أخرى.

 

في هذه الواقعة أدارت تركيا القضية مع كل من جمعه معها وحدة اتجاه الدفع أو الهدف بشكل حرفي عميق ومن هؤلاء من جمعه بتركيا وأردوغان عداء سابق كجهاز الاستخبارات الأمريكية (CIA) ووسائل الإعلام الغربية سيما الأمريكية منها وغيرها.

 

حيث نجحت تركيا من خلال إدارة التوافق الذي جمع بينها وبين كل هذه الجهات في القضية إلى حشد رأي عام عالمي وأمريكي يطالب بالكشف عن الحقيقة ومحاكمة المتورطين في الجريمة سيما من أمر بها، ويشير بأصابع الاتهام لابن سلمان ويكذب الرئيس الأمريكي في نفيه صلة الأخير بالجريمة،وانتقلت المعركة لداخل الولايات المتحدة من تحرير مصطلح حماية المصالح الأمريكية الذي صكه ترامب مبرراً سلوكه في الأزمة، إلى اتهامه بالمحافظة على مصالحه الشخصية وعائلته (صهره جاريد كوشنر) وحماية تجارتهم مع حكام السعودية.


رابعاً المرونة العالية في إدارة الأزمة:


منذ بداية الأزمة والإدارة التركية تتعامل بمرونة عالية جداً مع الحدث حيث تنوعت ردود أفعالها ما بين البيانات الرسمية والتسريبات الصحفية وتصريحات غير الرسميين (نائب رئيس حزب العدالة والتنمية) وتصريحات المسئولين والوزراء بما فيهم أردوغان ووزير خارجيته شاويش أوغلو، كما حرصت تركيا على التواصل مع الجميع سيما الدول الفاعلة ومشاركتهم معلومات القضية وفق رؤيتها لاستنهاضهم لتبني موقفها.

 

ولم تقطع على نفسها خط الرجعة مع أحد بمن فيهم بن سلمان نفسه لكن بما لا يمس قضيتها المبدئية، في البداية رأينا تغليب تركيا للجانب القانوني القضائي في تعاملها مع القضية وعدم الزج بالقيادات السياسية إلى الواجهة واقتصار ظهورهم على تأكيد استمرارية التحقيقات، ثم كان الحديث المتدرج عن الجريمة إلى أن اعترفت بها السلطات السعودية.


والقاصي والداني يوقن أن الأنظمة الشمولية كالنظام السعودي لا تتمتع أجهزة وإدارات الدولة فيها بأي قدر من الاستقلالية، ولا مكان فيها للاجتهاد، أوالخروج عن النص، فتلك الأنظمة لا يوجد بها سوى أتباع يخضعون لأمر الحاكم، ويفعلون ما يؤمرون،وفق رؤيته ومزاجه دون أدنى سلطة تقديرية، وأن عملية عابرة للدول كهذه وتستهدف صحفي مرموق بوزن جمال خاشقجي كاتب عمود في الواشنطن بوست لابد أن يكون رأس السلطة هو من أمر بها.

 

وأقر مخططها، وتابع تنفيذها، وهو هنا محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للملكة، وعلى ذلك رأينا خطاب أردوغان يفرق في حديثه بين الملك سلمان وغيره، وأنه لا يشك مطلقاً في الملك مما يعني بمفهوم المخالفة أن غيره (ولي العهد) هو من ارتكبها.

 

إلا أنه لم يوجه الاتهام مباشرة لمحمد بن سلمان، ثم قوله بأنه لا يريد أن يفت في عضد الأسرة الحاكمة في السعودية يؤكد حرصه على السعودية، وفي مقابل التهديد الدائم للسعودية (من مسئولين آخرين) بتدويل القضية للضغط على بن سلمان وحلفائه ووضعهم تحت ضغط نفسي مستمر، يأتي الحديث عن الحرص على استكمال التحقيقات وطلب إجابات واضحة حول علامات الاستفهام الكبرى في القضية متمثلة في مكان الجثة وتقديم المتعاون المحلي. 

 

من ذات المنظور السياسي البحت وبعيداً عن القيم المبدئية في مواجهة القمع والاستبداد، والقيم المهنية للصحافة وحريتها وحق الجمهور في المعرفة، جاءت تغطية الجزيرة للحادث على النقيض تماماً من ذلك حيث قطعت على قطر كل خطوط الرجعة مع الإدارة السعودية ولم تدع أي نسبة لاحتمال بقاء بن سلمان في السلطة وأن يفلت بجريمته