كتاب عربي 21

البابا وكل بابا!

1300x600
لا تثريب على البابا إن تعلق في أستار الحكم العسكري؛ فالديمقراطية خطر على مكانة رجال الإكليروس وعلى محلهم من الإعراب، والحاكم المستبد يحتاج إلى رجال الكهنوت، لتعزيز موقفه، وتبرير جرائمه، فتنسحب عليهم بعض فضائله، وجزء من الهيمنة ليمارسوها مع الأتباع، فالأمر هنا تبادل منافع!

لم يكن غريباً - بالتالي - ظهور البابا تواضروس ليمثل حلقة في مسلسل الإلهاء، فقد انتهى مفعول فستان الممثلة "رانيا يوسف"، أو كاد، فأدخلوا على الخط حديث لا جنس ولا أكل ولا شرب في الجنة للشيخ خالد الجندي، قبل أن يُستدعى البابا للقيام بدوره فأتقن وأبدع!

الجندي وقناة المخابرات

قناة "دي إم سي" هي قناة "المخابرات"، وهي التي يقدم عليها "الجندي" برنامجاً دينياً، وهي استضافة لها ما يبررها، فشيخ الأزهر لا يستسيغ "خالد الجندي" ولا يقبله في السماء ولا في الأرض، وقد قضت العلاقة التي تربطه بوكيل وزارة الأوقاف الشيخ أحمد ترك، القائم بأعمال الوزير بعد الانقلاب، على طموح ترك في أن يكون وزيراً، إذ اتبع السيسي الإجراءات المتعارف عليها في السابق بوضع شيخ الأزهر في الصورة عند اختيار الوزير المختص بشؤون المساجد. وكان الأمر في البداية، ولا نعرف إن كان سيظل ملتزماً بذلك الآن، أم لا!
عندما بدأ مفعول الإثارة في حلقة "خالد الجندي" يتبخر، كانت حلقة البابا تواضروس، الذي تم استدعاؤه على عجل في مقابلة تلفزيونية، لاستكمال مسلسل الإلهاء

قناة "دي إم سي" هي المسؤولة عن البلبلة حول حديث "خالد الجندي"، فقد بثته عبر موقعها على "يوتيوب"، بالعناوين المثيرة وغير الدقيقة، لينشر بعد ذلك في موقع جريدتي "الشروق" و"المصري اليوم"، قبل أن تقوم القناة بالتغيير في العناوين، بعد أن أدت العناوين الملفقة الغرض منها. وجاء "الجندي" في الحلقة الجديدة ليتبنى الإثارة، ويقول إنه أحدث ارتباكا في صفوف داعش، على اعتبار أن داعش تنخرط في العمليات الإرهابية من أجل علاقات جنسية في الجنة، وكأنه المفتي المعتمد لدى عناصر التنظيم!

عندما بدأ مفعول الإثارة في حلقة "خالد الجندي" يتبخر، كانت حلقة البابا تواضروس، الذي تم استدعاؤه على عجل في مقابلة تلفزيونية، لاستكمال مسلسل الإلهاء الذي بدأ صاخباً منذ أن تم الإعلان عن التفريط في قناة السويس، لصالح إمارة أبو ظبي التي حصلت على 49 في المئة من حصة القناة، وما يمثله هذا من خطر على الأمن القومي المصري، وهو ما اعتبره القوم خيانة وطنية، وأحد أوجه الدعاية السلبية ضد الرئيس محمد مرسي؛ عندما قيل إنه فرط في قناة السويس، بما تحمله من قيمة وطنية وموقع استراتيجي، لصالح لقطر!

لمواجهة شيخ الأزهر

وإذ فشل السيسي في معركته ضد شيخ الأزهر، باستعانته بأحد الأساتذة بجامعة الأزهر، والذي ربما دخل متطوعا وبتحرش أزلامه من الإعلاميين به، فلا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يواجه الدين إلا بالدين، والشيخ بالبابا الذي جاء يتحدث عن أن المسيحية تقر المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، وهو بصدد إعداد مشروع قانون لهذا السبب، وليضع الجميع في حرج في أي خلاف مع البابا من شأنه أن ينال من الوحدة الوطنية، ويحسب لصالح المسيحية، الأكثر عدلاً ومدنية لأنها تؤكد على مبدأ المساواة بين الجنسين، حتى وإن كان البابا ينتزع من الصلاحيات ما لا يمنحها المسيح عليه السلام لنفسه!
جاء يتحدث عن أن المسيحية تقر المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، وهو بصدد إعداد مشروع قانون لهذا السبب

فالمسيح رفض أن يكون حكما بين أخ وأخيه في أمر الميراث. والمسيحية ديانة روحانية وليست شريعة، ولم تضع نظاماً في الميراث أو غيره، فعندما يأتي البابا ليقول إن المسيحية تقر المساواة، فإنه يكون قد أقحم نفسه في غير مجاله، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب!

لقد زايد البابا في قضية فستان "رانيا يوسف" وقال إن المسيحية لا تتدخل في لباس الناس؛ لأنه يدخل في إطار الحرية الشخصية، ولا نعرف هنا ماذا بقي من البابا غير ملابسه ولحيته؟ ولا نعرف من يتكلم "سيد القمني" أم "تواضروس"! فالمسيحية تأمر النساء بالالتزام بالحشمة، ومن لفتت الانتباه إلى مفاتنها فلن يسكن المسيح في جسدها.

ثم خطى خطوة في اتجاه خلط الدين بالسياسة، عندما أيد تعديل الدستور على نحو يمكّن السيسي من البقاء، ثم وصف سنة مرسي في الحكم بأنها سنة سوداء، وهنا نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس، فهل كانت سنة سوداء فعلاً بالنسبة له؟!
خطى خطوة في اتجاه خلط الدين بالسياسة، عندما أيد تعديل الدستور على نحو يمكّن السيسي من البقاء، ثم وصف سنة مرسي في الحكم بأنها سنة سوداء

 

 

الكنيسة ضد الثورة

لا يستطيع البابا أن يذكر سبباً واحداً يجعله يصف سنة حكم الرئيس المنتخب بـأنها سوداء، لكنه يدرك أن الثورة كلها كانت سوداء على رجال الكهنوت، باعتبار كنيسته مكونا من مكونات الدولة العميقة، ولأن الحرية خطر على رجال الكهنوت، لا سيما إذا أرادوا لنفوذهم أن يمتد لميدان السياسة خارج أسوار الكنيسة. ولهذا، فلم يكن غريباً أن يعلن البابا شنودة في أول أيام ثورة يناير أنه مع مبارك، ولم يكن غريباً أن يكون أحد الذين زاروا مبارك في سجنه أكثر من مرة بعد أن خلعته الثورة وسجنته، وقد غادر مبارك موقعه والعلاقة مع البابا لم تكن على ما يرام!

لقد وقعت تفجيرات كنيسة القديسين، وكان البابا يوقن أن الأمن هو الذي ارتكبها، وعندما مارس الغضب وذهب إلى الدير، كان من رأي مبارك بأن غضبه ليس له ما يبرره، وعليه فأراد أن يغيظه فعين جمال عبد الملاك عضواً في البرلمان، وهو الخصم للبابا، منذ أن ألف كتابه "من يمثل الكنيسة.. الدولة أم البابا"!

النظام وفي سبيل "ترضية" البابا بعد تفجيرات القديسين، أكد أنه سيوافق أخيراً على تمرير قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وفق ما تريده الكنيسة الأرثوذكسية، وبما يمثل انتصاراً لها على الكنائس الأخرى

بيد أن البابا يدرك أن نفوذه يستمده من استمرار الحكم المستبد، ولهذا فإن الكنيسة شهدت أول مظاهرة ضدها بعد الثورة، فهناك أكثر من 300 ألف مسيحي ترفض الكنيسة السماح لهم بالزواج الثاني، بعد أن تم الطلاق مدنيا، وهو تحكم ضد حق من الحقوق اللصيقة بالإنسان!

وكان النظام وفي سبيل "ترضية" البابا بعد تفجيرات القديسين، أكد أنه سيوافق أخيراً على تمرير قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وفق ما تريده الكنيسة الأرثوذكسية، وبما يمثل انتصاراً لها على الكنائس الأخرى، وهو القانون الذي لم يتم الاتفاق عليه بسبب الخلاف بين الكنائس في السابق. فالبروتستانت يريدون إقرار أكثر من مبرر للطلاق، في حين أن الأرثوذكس يرون أن الطلاق لا يكون إلا بمبرر واحد، هو علة الزنا، في حين أن الكاثوليك يرون أن الطلاق لا يقع ولو لعلة الزنا!
السلطة المستبدة تمنح الكنيسة جزءاً من الاستبداد لتمارسه على رعاياها، ولهذا فإن البابا يتعلق في أستار الحكم العسكري

بيد أن الثورة قامت قبل إقرار القانون، وفي جو الحرية خرج المسيحيون في مظاهرات ضد موقف الكهنة.. لاحظ أنهم لم يكونوا سيقولون: بم، لو أقر القانون في عهد مبارك، أو تم اقراره في عهد السيسي بما لا تهوى أنفسهم!

فالسلطة المستبدة تمنح الكنيسة جزءاً من الاستبداد لتمارسه على رعاياها، ولهذا فإن البابا يتعلق في أستار الحكم العسكري!

لاحظ أن قتل رئيس أحد الأديرة، وانتحار راهب، وسجن آخر، أكد أن هناك انقلابا قد يقع داخل الكنيسة، وأن الحكم العسكري يضمن للبابا أن يهيمن على الموقف وينتصر على خصومه.

فالديمقراطية خطر على موقع ومكانة البابا وكل بابا!