قضايا وآراء

وثيقة منظومة القيم.. الحرية (3)

1300x600
كما أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فكذلك الحرية المطلقة.

الحقيقة أنه لا يوجد شيء اسمه الحرية المطلقة في أي مكان في العالم.. الحقيقة الأخرى أننا في عالمنا الإسلامي والعربي نعاني من قهر وكبت وتقييد للحريات بلا حدود، وهذا يجعلنا نلهث أحيانا تحت شعارات الحرية أيا كانت.

لا يختلف أحد أنه لا قيمة أعلى من قيمة الدين، حتى ولو كنت على غير دين، فإن تمسكك بوضعية أنه ليس هناك دين هو دين في حد ذاته.

وقد أعطى الله خالق العالمين؛ للبشر حرية أن يكفروا به (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، فما بالك من دون هذا من الأفعال والأقوال؟ لكن الشرع وضع حدود حريتك ألا تتعدى على حقوق الآخرين ولا تؤذيهم. لذلك، إن شربت الخمر في بيتك ولم يعلم بك أحد فلا حد عليك، لكن إذا خرجت في الطريق مخمورا فأنت ستؤذي مشاعر الآخرين وأنت في غير وعي، وربما ضربت أحدهم أو حتى قتلته. وتعجب أنه في كل بلاد العالم غير مسموح لك بقيادة السيارة وأنت مخمور، بل وتعد جريمة كبيرة. نفس الشيء لو زنا إنسان في بيته ولم يره أحد فلا حد عليه، إنما جعل الحد حين يراك أربعة شهود عدول. وبالله عليكم كيف يشهد عليك هؤلاء إلا إذا كنت في العلن؟ فتمت المحاسبة على إيذاء الشعور العام لا على أداء الفعل. ولم أر أي بلد يتمتع بأقصى درجات الحرية الجنسية تسمح بممارسة الجنس علنا في الشوارع. الحرية لا تعني أن تكتب ما تشاء في الصحف أو تقول ما تشاء في التلفاز، حتى ولو كان كذبا وبهتانا. حتى العلم أثبت أن كثيرا من الجرائم تحدث تقليدا لما يحدث في الأفلام، وأن كثرة الحديث عن جرائم العرض قد سهل حدوثها. إن إشاعة الفاحشة أكبر من الفاحشة وما أروع التشريع الرباني (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب شديد في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) كان الخوض في عرض أم المؤمنين عائشة أكبر من كل ما وجه للرسول وإلهه من شتائم وتسفيه (وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم).

الجنون أن ينعق كثير من المسلمين بحرية الصحافة والإعلام في بلادنا بلا حدود، مع أن هذا غير موجود في العالم كله. من يستطيع أن يتكلم عن محرقة اليهود أو ينتقدهم في العالم أجمع؟!!

أحباءنا الكرام، إن الإسلام حرر العقل والنفس وحمى العرض والنفس والدين.

الغرب حين يتكلم عن الحرية بلا حدود في بلادنا الإسلامية، فهو يعني شيئا واحداً (الحرية الجنسية)، فهم يفتحون صدورهم وبلدانهم لحكام ديكتاتوريون لا يعطون شعوبهم خرم إبرة من الحرية، ولكنهم يقومون ولا يقعدون حين يتعلق الأمر بالشذوذ الجنسي في أوطاننا.

لقد خدعت الحركة الإسلامية في بعض بلداننا بمعنى الحرية العام إلى أن جاء الاستحقاق الجنسي، فاضطروا لتقديم تنازلات في الدين لوقف الشذوذ. جمعني لقاء خاص على هامش أحد المؤتمرات مع واحد من أكبر قيادات حركة النهضة التونسية، وأخبرني أن الغرب كان يريد أن يفرض عليهم حرية الشذوذ، ولم يستطيعوا الفكاك الا بالقول بأنهم ضد الشذوذ للمحافظة على الأسرة، وعلى خصومهم التنازل عن حق الشذوذ كما تنازل الإسلاميون عن حق تعدد الزوجات للحفاظ على الأسرة (على حد قوله).

إن الإسلام دين الله المكتمل، وهو من أمرنا أن نحترم من يعبد الصنم ونقسط، بل ونقدم البر لمن قالوا إن الله ثالث ثلاثة أو من قالوا إن موسى ابن الله، طالما لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا. هذا الدين المكتمل لا يكبل الحريات، بل ينظم العلاقات، وعلى الآخرين في الشرق والغرب أن يحترموا ديننا كما هو، وعلى حمَلة مشاعل هذا الدين العظيم أن يلزموا غرز هذا الدين ويقتفوا أثر النبي، ولا يبالغوا في الانبطاح وتمييع الدين لإرضاء الآخرين.