قضايا وآراء

أهانه ترامب فرد بالإخفاء القسري لخاشقجي!

1300x600
في الحقيقة، لم تكن هي المرة الأولى (ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال) التي يلجأ فيها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لإهانة ملك السعودية، ولكننا أمة مصابة بداء النسيان. فأثناء زيارة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" للولايات الأمريكية المتحدة، قال له في اتصال هاتفي مع الملك: "أنتم من غيرنا لا تستطيعون البقاء على عروشكم يومين، نحن الذين نحميكم". وقد نشرت جريدة الواشنطن بوست فحوى تلك المكالمة في حينها، ولكنها المرة الأولى التي يقول هذا المضمون ذاته في مؤتمر عام للحزب الجمهوري، على مسمع ومرأى العالم كله، أي أنه يهين السعودية ويعري ملكها علنا وليس في الغرف المغلقة، والتي من المؤكد أنه يدور بداخلها ما هو أفدح وأقبح!

ترامب في نظري رجل صادق مع نفسه، ملتصق بذاته، يتعامل بمنطق التجارة وبلغة الأرقام والحسابات، وليس بلغة السياسة والدبلوماسية التي لم يتعلمها ولا يفهم فيها شيئا، فهو "بزنس مان"، وهو نبت من بيئة الكاوبوي (رعاة البقر) وروحه ملتصقة بها، لم يتخل عنها ولا انفصل منها، بل ظل أميناً عليها وفياً لها، وأصبحت من مكونات شخصيته الأساسية. وقد رأيناه في حملاته الانتخابية يعد الشعب الأمريكي بأموال دول الخليج، ويتوعد حكامها الذين يشبههم بالبقر بأنه سيحلبهم ثم يذبحهم! وها هو يفي بوعده وينفذ وعيده، ومن سخرية القدر أن حكام الخليج، ورغم سماعهم لهذا التهديد مرارا، إلا أنهم كانوا أشد المتحمسين والمؤيدين له، بل أن دولة كالإمارات العبرية المتحدة صرفت عشرات المليارات من الدولارات لفوزه على هيلاري كلينتون (الداعمة للإخوان المسلمين حسب قولهم. وستظل فوبيا الإخوان المسلمين تطاردهم وتعمي بصيرتهم إلى أن يطيحوا عروشهم بأيدهم).

لم يكتف ترامب بالنصف تريليون دولار الذي أخذه من السعودية في زيارته الميمونة لها العام الماضي، بل أراد المزيد من الحليب هذا العام.. الجزية السنوية لحمايتهم؛ كما كررها في ثلاث خطابات متتالية في أقل من أسبوع، قائلاً في خطابه في ولاية مسيسبي: "نحن نحمي السعودية، إنهم أغنياء، وأنا أحب الملك سلمان لكني قلت: له أيها الملك، نحن نحميك. ربما لا تتمكن من البقاء لأسبوعين بدوننا، وعليك أن تدفع لجيشنا". وقبله بيومين فقط، قال في ولاية فرجينيا إنه أبلغ الملك سلمان بأنه "ربما لن يكون قادراً على الاحتفاظ بطائراته؛ لأن السعودية ستتعرض للهجوم، ولكن معنا أنتم في أمان تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب أن نحصل عليه". أما في خطابه الأخير في ولاية مينوسيتا، قال: "لديهم مليارات الدولارات، وسوف يدفعون، وقلت للملك سلمان: نحن نحميكم ولا بد أن تدفعوا الأموال لأمريكا مقابل حمايتكم. قال: لم يطلب أحد منا شيئاً، قلت له: أنا أطلب".

والحقيقة على الرغم من لغة الصفاقة البعيدة تماما عن الدبلوماسية المتبعة بين رؤساء الدول، وأسلوب المهانة الذي يحمل في ثناياه تهديدا واضحا، إلا أن ترامب كان صادقاً أيضا فيما قاله! نعم أمريكا هي التي تحمي عرش آل سعود، وهذا اتفاق قديم قد تم في اللقاء السري بين الرئيس الأمريكي "فرانكين روزلفت" والملك "عبد العزيز آل سعود"، مؤسس المملكة العربية السعودية، على متن طراد "يو أس أس كوينسي"، في الرابع عشر من شباط/ فبراير عام 1945، ولهذا سمي "اتفاق كوينسي"، وأهم ما جاء فيه هو توفير الولايات المتحدة الأمريكية الحماية اللا مشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة، مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من المقرر أن يدوم هذا الاتفاق ستون عاماً، وتم تجديد محتوى الاتفاق لنفس المدة في عام 2005، من قِبل الرئيس "جورج دبليو بوش"..

وكما كان "ترامب" صادقا في موضوع الحماية التي تعهدت بها أمريكا، إلا أنه كان كاذباً في المقابل الذي التزمت به السعودية طيلة تلك العقود السابقة، فقد كانت سخية العطاء، وليس كما قال لم يكن على المستوى المطلوب، كما أنها تحكمت في سعر النفط العالمي من خلال "أوبك" بما يوافق أو يرضي أمريكا، وانصاعت لأوامر السيد الأمريكي، والآن يهاجم ترامب أوبك ويقول في كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة: إن "أعضاء أوبك ينهبون باقي العالم نحن ندافع عن كثير من الدول دون مقابل، وبعد ذلك يستغلوننا ويرفعون أسعار النفط، ويجب أن يتوقفوا عن رفع الأسعار".

ولكن يبدو أن السيد ترامب يريد أن يعدل اتفاق "كوينسي"؛ بأن تحصل الولايات المتحدة الأمريكية على عائد الثروة النفطية السعودية كاملاً نظير حماية السعودية!

ومن المثير في الأمر أن السعودية لم ترد على إهانة ترامب لها كدولة مستقلة ذات سيادة، ولا على إهانة ملكها، بأي بيان رسمي صادر من الديوان الملكي يتبعه موقف سياسي حازم أو إجراء دبلوماسي صارم تجاه الولايات المتحدة، ولكن بعد أسبوع قال ولي العهد "محمد بن سلمان" في معرض حديثه لوكالة "بلومبيرج" الأمريكية: "أحب العمل مع ترامب ونحن نتقبل النقد من الصديق".. رد مخز لا يقل مهانة وخزي عن كلام ترامب عنهم، فرد ابن سلمان يؤكده ويدل على هشاشة الدولة السعودية ويدعم التبعية للولايات المتحدة!

ولكن يبدو أن الصبي المغرور، الطامح للعرش (ابن سلمان)، والذي يحكم المملكة بالفعل، تفتق ذهنه لطريقة جديدة يرد بها على ترامب ويرد له الصاع صاعين لينتقم منه ويستعيد كرامته، فاختطف الكاتب الصحفي السعودي الذي يكتب في "واشنطن بوست" الأمريكية "جمال خاشقجي" في تركيا بعد عمل كمين له، وتم استدراجه للقنصلية السعودية في إسطنبول!

دخل "جمال خاشقجي" القنصلية ولم يخرج منها، وبعد مرور أربعة أيام من اختطافه تبادلا فيها الجانبان، السعودي والتركي الروايات والادعاءات من وجود خاشقجي داخل السفارة من عدمه، فالجانب السعودي يؤكد على خروجه، بينما الجانب التركي يؤكد أنه لم يخرج منها وأنه لا يزال داخل مبنى القنصلية، وظللنا على هذا المنوال إلى أن أعلنت وكالة الأنباء "رويترز" مساء السبت نبأ مقتله داخل السفارة، وتوالت الأخبار غير الرسمية، حيث لم تصدر السلطات التركية أي بيان رسمي عن مقتله حتى اللحظة، بينما تسرب المصادر الأمنية التركية تصريحات عن مقتله داخل القنصلية السعودية لوكالات الأنباء، وتضيف العديد من المصادر الصحفية، أنه قد تم تعذيبه قبل قتله والتمثيل بجثته وتقطيعها إلى أجزاء بعد ذلك!! منتهى الوحشية والإجرام، فهذا شغل عصابات إجرامية وقطاع طرق، وليس فعل دول يحكمها دستور وتعامل مواطنيها بالقانون، ولكنه ليس غريباً ولا جديداً على آل سعود، فهي حرفة أجدادهم من ذي قبل، لقد أنشأوا مملكتهم فوق جثث وأنقاض القبائل التي غزوها ظلماً وعدواناً.

كما أنها ليست المرة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة التي يتم فيها اختطاف شخصيات معارضة سعودية من المنفى وترحيلهم إلى السعودية، ليغيب أثرهم من بعد ذلك ولا يعلم أحد مصيرهم. فلهم تاريخ مخز وباع طويل في هذا المجال، فقد سبق أن اختطف المعارض العنيد "ناصر السعيد"، صاحب كتاب "تاريخ آل سعود" من بيروت عام 1979، بمساعدة أحد أصدقائه الفلسطينيين من منظمة التحرير، ولا أحد يعلم مصيره للآن! ولم تقتصر عمليات الاختطاف على المعارضين من أفراد الشعب فحسب، بل طالت أفرادا من العائلة المالكة، نذكر منها الأمير "سلطان بن تركي بن عبد العزيز" من جنيف عام 2003، والأمير "تركي بن بندر آل سعود" من فرنسا عام 2015، والأمير "سعود بن سيف النصر بن سعود بن عبد العزيز" عام 2015، وبعدها "الأمير عبد العزيز بن فهد آل سعود" عام 2017. وفي شهر أيار/ مايو من هذا العام 2018، اختطف الأمير "نواف طلال الرشيد" من مطار الكويت ولا يزال مصيرهم مجهولاً، وهناك الآلاف ممن يقبعون في غياهب السجون من خيرة علماء الأمة، من رجال دين وفكر وعلم واقتصاد وأساتذة جامعة، ونشطاء حقوقيين، من كلا الجنسين، ومصيرهم مجهول أيضا..

كان الإعلان عن اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي" بمثابة الصدمة التي هزت الضمير الإنساني العالمي، فكيف يحدث هذا لإنسان مسالم، وصحفي لا يملك غير فكره وقلمه الذي يسخره لخدمة القضايا الإنسانية، والحرية والعدالة والكرامة، لذلك كان خاشقجي من أشد المناصرين لثورات الربيع العربي، وكان يرى أنها ستنهض من جديد، وأن هناك موجة ثورية قادمة في الأفق، فقد كتب: "الربيع العربي لم يدمر بل أولئك الذين حاربوه وتآمروا ضده هم المدمرون، وإلا لكنتم معشر الشباب تستمتعون الآن بنسائم الربيع، الحرية والتسامح والوظائف والرعاية".

كان خاشقجي يؤمن أن الديمقراطية هي الحل في البلدان العربية، وخاصة تلك التي تشهد حروباً أهلية مثل اليمن وليبيا وسوريا..

وكان غير راض عما يجري في بلاده في تلك الفترة على يد ولي عهدها، ويخشى من سياساته الجديدة ومشاريعه النزوية غير المدروسة على المملكة مما يُعرضها للإفلاس، وضاق ذرعاً بالاعتقالات المستمرة لأبناء بلده، فكتب: "إذا كان بإمكان الأمير أن يدفع مليار دولار ليشتري حريته، فكم يتوجب على سجين الرأي أن يدفع؟".. لقد دفع حياته ثمناً لحرية لم تأت بعد، وربما تغيب طويلاً إلى أن يرى السعوديون نورها!

وعلى الرغم من مطالبته الدائمة بالإصلاح لتكدس مفاصل الدولة، فهو لم يكن معارضاً شرساً، ولم يكن ناشطا سياسيا، ولكنه كان في قلب النظام وموالياً له، وما يريد إلا الإصلاح، ويقدم النصح لمن يتقبل النقد من "ترامب" ولا يتقبل النصيحة من ابن بلده الذي أخذته الحمية والغيرة على بلده؛ فور سماعه إهانة ترامب للسعودية ولملكها، فكتب: "ترامب يقول إنه "يحمينا" وأن علينا أن "ندفع" لتستمر هذه الحماية.. يحمينا من مَن؟ أو يحمي مِن؟ أعتقد أن أكبر خطر يواجه دول الخليج ونفطها هو رئيس مثل "ترامب" لا يرى فينا غير آبار نفط". وكتب في موقع آخر: "لسنا في حاجة لحمايتك، فالسعودية تستطيع أن تحمي نفسها بقدراتها الذاتية وبامتدادها الإسلامي، شريطة أن تعيد تحالفاتها الاستراتيجية ومعرفة العدو من الصديق"..

لقد كان خاشقجي يحمل هموم وقضايا أمته، وكانت القضية الفلسطينية أهم ما تشغله، وكان يرى أنه لا بد من عودة روح النضال للأمة كي تتحرر فلسطين، فكتب في آخر تغريداته بعد حضوره مؤتمر مؤسس "ميدل إيست مونيتور" عن "فلسطين ما بعد أوسلو" في لندن، قبل سفره إلى تركيا بيوم واحد من ذلك اليوم المشؤوم:

"أغادر لندن وفلسطين في البال، حضرت مؤتمراً وتعرفت على باحثين وناشطين مؤمنين بعدالة قضيتها من أطراف الأرض، رغم قوة اللوبي الإسرائيلي الذي حاصر أي تعاطف معها، إلا أن صوتها لا يزال عاليا هنا. في عالمنا يحاولون تغييب فلسطين لكسر الغضب فينا، ولكنها حاضرة في ضمير كل مواطن وان صمت".

ولم يكن يعلم أنه لن يغادر لندن فحسب، بل سيغادر الحياة أيضا، لقد قال كلمته ومضى، وشعار صفحته في حساب تويتر يحمل هذه العبارة "قل كلمتك وامش". ولقد دفع حياته ثمنا لهذه الكلمة، فداءً للثورة وللإنسانية وللعدل وللحرية وللحق. سلام عليك حيا وميتا أيها الشهيد الذي نحسبك من عداد شهداء فلسطين، حيث كانت آخر كلماتك قبل الرحيل..