كتاب عربي 21

جمال خاشقجي.. مصيرنا في مأساة شخص!

1300x600
(1)
لا ينبغي لشخص مثلي، اعتقل بضع سنوات متتابعات لدى السلطة السياسية في بلده عقوبة له على رأيه وموقفه السياسي، إلا أن يتخذ موقفا أوليّا متشكّكا من دفاع السلطة - أي سلطة - عن نفسها، ومنحازا بوضوح ضد أي مسلك طاغٍ أو فيه تعدٍّ، ولو بأيّ قدر، على كرامة آدميّ، حتى لو كانت تلك السلطة دون الشكل الدولاتي المتبادر إلى الذهن، وهو الأمر الذي يثير حفيظة بعض رفاق الدرب الذين يعتقدون أن خطأ (السلطة التي تتجلّى فيها الجماعة) مغفور في سبيل المشروع، أو أن تذويب الفرد في الجماعة، ولو بالجور على حقه، هو أمر سائغ.

وهكذا يتمدد التفكير السلطوي حتى فيمن هم دون السلطة، أي في رعاياها الذين يتحوّلون إلى جهاز أيديولوجي لجورها وطغيانها المتغطّي بشعارات يُتوسل بها لطحن الفرد وكتم صوته، ويصل حدودا تنتكس فيها قيم العدل، حتى تلك التي تتعزّز قيمتها بالوحي الإلهي. إذ لا يجوز وفق ميزان الوحي، أن يُعدّ خطأ صاحب السلطة اجتهادا مغفورا مهما عَظُم، بينما يُعدّ نقد ذلك الخطأ خطيئة تجوّز اغتيال صاحبه معنويا والتشكيك بنواياه، أو تقطيعه ورميه للكلاب. وبكلمة أخرى، تُحوّل قيمة العدل إلى موضوع سياسي يختلف مضمونه بحسب تغيّر مواقع الظالمين والمظلومين فيه!

لكن ما ينبغي أن يكون ليس هو الكائن دائما، فكلمات مثل "الاستكبار، المستضعفين، الطغيان، الظلم، العدل.." تُسيّس ويعاد تأويلها بتغير مواقع أصحابها، من المعارضة إلى السلطة، وداخل المعارضة نفسها، بطمس الفرد لصالح السلطة فيها. وهكذا، والدوافع في كلّ ذلك لا تقتصر على الدوافع الغريزية الفجّة (الخوف والرغبة)، وإنّما هي أكثر عمقا في صورة قناعات. ففي بعض البلاد العربية، ينطمس الحدّ الفاصل بين الوطن والحاكم، وفي بعض الجماعات الإسلامية ينطمس الحدّ الفاصل بين الحقّ والقائد، ولن تعدم السلطة بأي شكل أو في أي مستوى؛ سدنة يبتكرون لها الشرعية من أي مصدر كان. ثم فلنتخيل المصير المروّع للفرد بعد ذلك إن اتخذ موقفا مقابلا لـ"الحاكم = الوطن، القائد = الحقّ"، من اغتيال معنويّ في الحدّ الأدنى، مرورا بقطع الأرزاق، وصولا إلى قطع الأعناق!

الواجب في هذه الحالة، على الإنسان من حيث هو إنسان، وبحسب موقعه، لا سيما إن كان متصدّرا للحديث في الشأن العام، أن يتخذ موقفا تلقائيّا يحافظ على معنى "العدل، الظلم" كما هو في أصله، بعيدا عن التسييس والتسييل والتمييع. وهو بذلك في الحقيقة يدافع عن نفسه، فإن كان في موقع السلطة، فإنّ الأيام دول، وإن كان في غير موقعها، فإنّه لا يدري ماذا يكسب غدا، وإن كان معارضا فنبغي له ألا يخون نفسه، وهذا لا يكون إلا بالانحياز ضدّ الظلم بلا تأويل، حتى لو كان من الأقربين، جماعة، أو قائدا حزبيّا، أو حاكما، أو دولة، أو أيّ بنية تقترف ظلما، فإن عجز عن ذلك لهوى دقيق كالمحبة، أو غليظ كالخوف والرغبة، فإنّ الإنكار في القلب أضعف الإيمان، فكيف بالذي يشتغل لحماية الكبير من نقد الصغير؟ ثم كيف بالذي يشتغل دفاعا عن سحق الكبير للصغير؟!

(2)
مما يُحسب للصحفي جمال خاشقجي، أنّه اتخذ - أخيرا - موقفا جريئا في الابتعاد عن السلطة في بلده ورغباتها، حتى لو كان موقفه دون الجذريّة الواجبة، بيد أنّه جريء باعتبارين، الأول: مفهوم السياسة المشوّش في بلده حيث يُجسد الوطن في الحاكم، بل ويُجسد مطلق الحقّ فيه، فيغيب تماما أيّ شكل من أشكال الممارسة النقدية للحاكم لا في الواقع فحسب، بل حتى يبدو تصوّر ذلك غريبا وغير مألوف في الذهن، والثاني: بحكم علاقته التاريخية والعملية بنظام الحكم في بلده، وهذا بصرف النظر عن السمات المحترمة في شخصيته، وفي أدائه المهني.

وبعيدا عن الأسباب الغريزية التي تدفع للتعلق بحكايا المشهورين، وللحزن الشديد حين تخيّل مصائرهم، فإنّ جمال خاشقجي جدير بالكثير من الاهتمام والانحياز والتضامن، للاعتبارين السابقين تماما في المستوى السياسي غير المنفكّ عن المستوى المبدئي والأخلاقي، فدمه المسفوح - إن كان قد قتل - تضحية عظيمة لتجلية التصورات والمفاهيم المشوّشة التي تُؤلّه في واقع الحال الحاكم أو صاحب السلطة، لا سيما في بلده، ثم بالمثَل الذي يضربه في انحيازه عن السلطة واختياره كرامته الآدمية، وحريّته، واحترامه لنفسه، وهو معنى لا يمكن أن يتحقق من موقع الصمت (رغبة أو رهبة)، فضلا عن أن يتحقق من موقع التطبيل والرقص على فجائع ضحايا الحاكم!

ومهما كان الاختلاف مع جمال خاشقجي في جملة واسعة من الآراء التي تبناها حتى في مرحلته الأخيرة، فإنّه يستحق كلّ هذا الاهتمام وزيادة؛ لأنّ قاتله، أو مختطفه، يريد تحقيق عكس ما سبق تماما، أيّ يريد سحقي وسحقك لصالح ألوهيته، وهذا القاتل لا يمثّل بذلك نفسه بالمعنى الشخصي أو السياسي الضيّق، وإنما يمثّل كلّ طاغية كامن في كلّ واحد منّا، ويمثّل كلّ شكل من أشكال الطغيان المتحقّق في الواقع، خفيّا كان أم جليّا، في أي نمط من أنماط السلطة الموجودة، فقَلْبُ قضية جمال خاشقجي على من اصطنعها لترويعنا ولتكريس ألوهيته، أداة ضرورية لتبديد مخاوفنا ولتحطيم ألوهيته، ولتعرية الخونة من المرتزقة الذين لا يجدون في الصمت سبيلا لانحطاطهم، وإنما يلوكون لحم الضحيّة المقطّع، حتى لو كان زميلا لهم في المهنة أو المؤسسة نفسها!

إنّنا حينما نهتمّ بقضية جمال خاشقجي لا نؤدّي واجبا إنسانيّا فحسب، ولا ننحاز لكرامتنا الآدمية في بعدها المعنويّ فقط، وإنما نحن ندافع عن مصالحنا بالمعنى الماديّ للكلمة كذلك. نحن بذلك نحارب دون أعمارنا، ودون أرزاقنا، ودون مستقبل أطفالنا، هذا ونحن في الوقت نفسه ننهض بوظيفة الإنسان في هذه الأرض، بتحقيق كرامته الآدمية حين تحريرها من العبودية لغير الله، وهذا لا يكون إلا بموقف جذريّ من الطغيان.

ملأ جمال خاشقجي الدنيا شهرة، وقرّبه نظام بلده إليه في مراحل سابقة متعددة، وكان خاشقجي واقعيّا فيما يبدو له في مواقفه السياسية، لا سيما من الحكم في بلده، وامتلك ذكاء مهنيّا يُشهد له، وصاغ مواقفه بكلمات محسوبة جدّا، ولم يكن نزقا ولا حادّا ولا مندفعا، ولا معارضا بأي معنى من معاني السياسة، وحتما لم يكن ثوريّا، والحاصل أنّ الثوريّ المندفع، والمعارض الجذريّ، في بلاد كبلادنا، لا بدّ وأن تأكل السجون من لحمه، إن لم تشرب البنادق من دمه، لكن أن يكون هذا مصير الرجل الواقعيّ الهادئ المحافظ، المقرّب في بعض الوقت من نظام بلده، فليس لهذا من معنى سوى أن الواقعية المطلوبة قد تكون في عكس هذه الواقعية المتوهمة، وأن الخلود لكرامة الإنسان، لا لمصالحه الفانية!