قضايا وآراء

الدين كظاهرة عابرة للحدود

1300x600

أسهمت عولمة الديني وانحسار منسوب الارتباط الترابي الذي كان يميزه، طيلة مراحل ما قبل العولمة وانفجار الفضائيات والشبكات الرقمية، في تعريض العديد من الدول والمجتمعات لتأثيرات عابرة للحدود، من المتعذر معها إعمال القوانين أو التشريعات أو اللوائح الوطنية أو القومية، والتي كانت إلى حين عهد قريب، رادعة لذات التأثيرات، أو حادة من مفاعيلها في الزمن والمكان.

إكراهان بوجه الدول

ولعل تقدم مد العولمة وتراجع المستويات الوطنية في مراقبة وضبط البعد الديني، قد أفرزا إكراهان اثنان بوجه الدول، كما بوجه المؤسسات القائمة على الشأن الديني بهذا البلد كما بذاك: 

ـ الإكراه الأول أن هذه الظواهر الجديدة ال تعترف ب"مواثيق السلوك" السائدة، أو بالقيم الناظمة لذات المواثيق، إذ تدفع في الغالب األعم، بجهة استنبات وتكريس "مجموعات دينية" ولاؤها لقيم ذات المجموعات، وليس للقيم العامة التي بنت ولعهود طويلة مضت، لعمران العيش المشترك، بالإرتكاز مثلا على قيم الحرية والانفتاح والمواطنة وغيرها. 

وعليه، فلن يبدو الأفراد المنتمون لهذه المجموعات مواطنين من صنف ما، بل سيذهب بهم الأمر (لا سيما بالدول المتقدمة اللائكية) إلى التمرد على القيم المتعارف عليها ويقصون، والحالة هاته، أنفسهم بأنفسهم، من المشترك القائم الذي يضمن التعايش في ظل قيم واحدة وموحدة.

ـ أما الإكراه الثاني فيتمثل في بروز حركات تتجاوز الفضاءات الترابية وتشتغل على طريقة الشركات متعددة الجنسيات، والتي لا تعير كبير اعتبار للدول أو للحدود الجغرافية أو لقوانين وقواعد الدول الوطنية أو القومية. 

لا يقتصر الأمر هنا على الجماعات الدينية (من كل الأديان) التي تتبنى إيديولوجيات عالمية، فتقيم لها هنا وهناك "تمثيليات" وتنظيمات قطرية، بل يتعداها إلى ظاهرة الطوائف التي تركب ناصية الدين في صيغه الأولية (البدائية يقول البعض)، أو تتدثر بمرجعيته لنشر معتقداتها وتمثلاتها وشعائرها بهذا الشكل أو ذاك، وفي غفلة من مراقبة مصالح الدولة المركزية في العديد من الحالات. 

التدين الفردي

يترتب عن هذين الإكراهين أن الديني لم يبق ولن يعود (إذا تسنى لهذين الإكراهين أن يتقويا ويتوسعا) طقسا جماعيا، بل سيغدو ممارسة فردية صرفة، في سياق ما توافق علماء الإجتماع الديني على وصفه بالتدين الفردي أو الفردانية الدينية، واعتبار التدين مدخلا من مداخل الخلاص الفردي في الزمن والمكان. 

ويترتب عنهما أيضا أن هذا النمط من التدين لن يتمظهر فقط على مستوى "الطبقات الراقية"، حيث تغلغل الخطاب المتماهي مع النمط إياه (خطاب "الدعاة الجدد" مثلا)، بل سينجح في اختراق باقي الشرائح الاجتماعية، أو التي لديها منسوبا للقابلية مرتفعا للقبول بكذا خطاب، لا سيما وأنه لا يزايد كثيرا على السلطة أو على الثروة أو على قيم النجاح والعمل أو على ما سواها. وسيتمظهر كذلك (بالدول المتقدمة) على شكل خطاب لن يتوانى في ركوب ناصية الديموقراطية لترويج مضامين متشددة، أو برامج دينية متطرفة أو إيديولوجيا عنصرية متدثرة بالدين.

تحدي الرقابة

بيد أن تعاطي الحكومات والسياسات العمومية مع النمط الثاني يبقى غير ذي جدوى كبرى، إذ مراقبة المضامين المروجة بالمساجد مثلا (أو بالكنائس)، كما إنشاء معاهد لتكوين الخطباء، ستكون غير ذات مفعول، أمام الأحجام الضخمة من المواد التي تبثها مئات الفضائيات العابرة للحدود، أو تقدمها آلاف المواقع المقتنية للشبكات الرقمية. 

لا ينحصر ضعف الحكومات والسياسات العمومية على هذا الجانب، جانب تعذر مراقبة الخطباء والمضامين التي يروجونها، بل يتعداه إلى تراجع قدراتها على مراقبة التمويلات العابرة للحدود، أو المقتنية للشبكات الألكترونية، أو المتدثرة خلف عمليات قد لا تبدو دائما أنها موجهة لهذه المجموعة أو تلك الطائفة.

والتلميح هنا يطال "الحركات الإسلامية" التي غالبا ما لا تعدم مصادر التمويل، لا سيما مع تزايد المنافسة حول الدين (بين المغرب والجزائر بفرنسا مثلا) والاحتراب على خلفية من الطائفة أو المذهب، كما الحال بين إيران والعديد من دول الخليج وشمال إفريقيا، دع عنك التطاحنات على خلفية من الدين أو التدين بداخل هذا البلد أو ذاك.

أثر العولمة

العولمة وثورة تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والإتصال قد أفرزت إذن ظواهر في التدين جديدة، وتحديات حقيقة بوجه الدول والحكومات بجهة تعذر تأطير هذه الظواهر في أفق مراقبتها أو الحد من مدها. ولذلك، فإن العديد من هذه الدول والحكومات (لا سيما بالإتحاد الأوروبي، حيث للمسألة الدينية حساسية مفرطة (قد سلكت ثلاثة مسالك كبرى كمدخل للتعامل مع "المستجدات الدينية" الجارية: 

ـ المسلك الأول ويتمثل في اللجوء إلى المستوى التشريعي الصرف لاستصدار قوانين وقرارات، تؤكد الحكومات من خلالها على ثبات معطى أن ثمة حدودا اجتماعية للديني، لا يمكن للفرد أو للجماعة أن يتجاوزوها لهذا الاعتبار أو ذاك. لذلك رأينا أن فرنسا مثلا لم تتهاون كثيرا مع ظاهرة حمل الرموز الدينية، أو مع ممارسات المجموعات الطائفية، ناهيك عن تحجيم كل ما من شأنه أن يطال الطبيعة اللائكية التي تميز الديني عن السياسي، أي بين ما هو شأن خاص وما هو شأن عام. 

ـ المسلك الثاني ويكمن في إلحاح هذه الدول والحكومات على ضمان الحرية والمساواة في التعبير عن الهويات الدينية، ليس فقط عبر الإعتراف بالمؤسسات التي تدافع عن الهويات إياها، بل أيضا من خلال تحديد قواعد اللعب التنظيمية، التي لا تسمح بالتجاوز على المشترك القائم، فما بالك الفعل من خارجه أو بموازاة معه. 


ـ أما المسلك الثالث فمؤداه المراهنة على هذه المؤسسات الوسيطة (من قبيل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية مثلا (للحد من نعرات التشدد التي قد تظهر هنا أو هناك، ويكون من شأنها المس بالحريات الفردية، أو امتطاء ناصية الخطاب الهوياتي لاستهداف قيم) من قبيل الحرية والمساواة والمواطنة (لم تعد مجال منازعة، فما بالك أن تكون مادة للتشكيك أو للمزايدة. 

هذه المسالك الكبرى هي التي باتت تؤسس لإطار الفعل الديني زمن العولمة وانفجار الشبكات الإعلامية والاتصالاتية. بيد أن المسالك إياها لا تشتغل بنفس الوتيرة وعلى أساس نفس الخلفيات، وإذا كان لهاتين الظاهرتين أن تنجحا في تأجيج التمايزات المذهبية والفقهية داخل الدول العربية/الإسالمية، وفيما بين بعضها البعض، فإنها لم تبلغ هذا المبلغ بالدول المتقدمة. والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى أن هذه الدول قد ارتضت الائكية كنمط في تدبير ثنائية الخاص والعام، ولكن أيضا لأنها تتعامل مع الدين (كل الأديان ربما) باعتبارها رافدا اجتماعيا ضمن روافد اجتماعية أخرى ليس إلا.

والشاهد على ذلك أن العديد من استبيانات الرأي بأوروبا تبين أن الأهمية التي يوليها الأفراد للدين هي أقل بكثير من أهمية الموالاة للعائلة أو للعمل أو للأصدقاء أو للتسلية أو للترفيه. وهذا مؤشر آخر على ما يسمى بفردانية التدين أو انتشار بعد التدين الفردي، باستقلالية شبه تامة عن المؤسسات التي تقوم على هذا الدين أو ذاك.