مقالات مختارة

خفايا قضية رواتب غزة

1300x600

تتحول القضايا المعيشية والإنسانية، لتصبح هي قاطرة العمل السياسي، في قطاع غزة، وبالتالي في جزء مهم من القضية الفلسطينية، وفي مقدمة هذه القضايا، دفع الرواتب في غزة. وتحتاج هذه القضية للإجابة عن أسئلة كثيرة، في مقدمتها من المسؤول عنها، ومن يملك تقديمها؟


قبل الإجابة عن هذه الأسئلة هناك ملاحظتان أساسيتان؛ أولاهما، أنّ ما تسرب من تصريحات أميركية مؤخرا بشأن التسوية السياسية، يريد حصر ما يحصل عليه الفلسطينيون مقابل أي تهدئة، أو اتفاق، بتحسين الأوضاع المعيشية، وخصوصا "الرواتب"، وهذا ما أشرت له في مقالات سابقة، نقلا عن مقابلة جاريد كوشنير، في صحيفة "القدس" في تموز (يوليو) الفائت. والملاحظة الثانية، أنّ الشعب الفلسطيني لم يتنازل يوما، عن حقوقه الوطنية لأسباب تتعلق بالرواتب والظروف المعيشية، ولكن الخلاف الفصائلي الحالي يهدد أن لهذه المشكلة ثمنا سياسيا باهظا.


نشر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، ومقره بيروت، قبل أيام (إنفوجراف) يوضح أبرز المؤشرات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) خلال العامين 2016-2017، وذلك نقلا عن التقرير الاستراتيجي الفلسطيني، الذي يصدره المركز ذاته. وبحسب المعلومات المنشورة، فإنّ دخل السلطة الفلسطينية، يتكون بنسبة 27.9 بالمائة من الإيرادات المحلية، و16.5 بالمائة من المساعدات الخارجية، و55.6 بالمائة من إيرادات المقاصة التي يجمعها الاحتلال الإسرائيلي من ضرائب الواردات التجارية، ويقتطع جزءا منها ويعيد الباقي للسلطة.


هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعكس الوضع الاقتصادي الفلسطيني عموما، ففيما يتعلق بقطاع غزة هناك واردات لا تمر عبر الآلة الإسرائيلية، فإيرادات المقاصة الخاصة بها لا تصل السلطة، والأهم من ذلك أن الإيرادات المحلية (مثل رسوم الترخيص للسيارات والسائقين والمخالفات، ورسوم المعاملات، وضرائب مختلفة، و...إلخ)، وهي مصدر الدخل الثاني في الأهمية، تجبي سلطة حركة "حماس"، غالبيتها العظمى، وهناك أيضا مساعدات تصل الحركة، أو عبرها، إلى القطاع. وتتولى حكومة رام الله، مثلا إعادة الإعمار في غزة، وبحسب هذه الحكومة فإنها أعادت بالاعتماد على منح خارجية بناء 90 بالمائة من البيوت التي هدمت تماما في القطاع في الحروب الثلاث الأخيرة، وعددها نحو 11 ألف منزل.


كانت موافقة حركة "حماس" على الذهاب للمصالحة، ولحكومة وفاق هي بالدرجة الأولى نتيجة لضغط الجانب المعيشي، وقد كان أهم ملفات الخلاف، حتى أشهر مضت، إصرار "حماس" على تولي الحكومة دفع رواتب نحو 40 ألف شخص عينتهم، قبل السماح بعودة الموظفين القدامى (موظفو السلطة قبل العام 2007)، وقبل تمكين الوزارات، ثم انتقل التركيز على موظفي السلطة القدامى الذين أصبحت الحكومة تدفع 50 بالمائة من رواتبهم فقط.


لا أحد يعرف كم تجمع "حماس" من إيرادات، والحديث هنا مئات ملايين الدولارات سنويا، فضلا عن المساعدات التي تستلمها، وما هي الأطر القانونية، والإجراءات، التي تنظم إنفاق ذلك. في المقابل، ما تزال حكومة الحمد الله، لا تقدم تفسيرا واضحا لخصم رواتب موظفي غزة، فلم تقل مثلا إنّها لا تريد تقديم الرواتب كاملة لأن "حماس" تقوم بجباية أموال يمكن تقديمها، وتتأرجح التصريحات في رام الله بين وعد بصرف المستحقات، والحديث عن خلل فني ومشاكل في الميزانية.


في تصريح للقيادي في حركة "حماس"، محمود الزّهار، لصحيفة الخليج، يوم 18 آب (أغسطس) الحالي، جاء "إذا لم يرغب الرئيس عباس في أن يسير بهذا المسار (التهدئة والمصالحة)، فمن السهل تجاوزه، أموال المقاصة التي تأخذها سلطته ولا يدفعها لأصحابها ستُدفع لغزة". عدا عن أنّ الزّهار، لا يوضح لمن وكيف ستدفع أموال المقاصة، وهل ستضاف لأموال الإيرادات، التي تنفق بطريقة واتجاهات غامضة، فإنّ الأهم من هذا بكثير، هو ما هي الترتيبات والاتفاقات والأثمان السياسية التي ستجعل الاحتلال يعطي غزة، تحت سيطرة "حماس"، هذه الأموال؟


تفترض النظرة الشاملة لقطاع غزة، وحل المعضلة هناك، الخروج من الخطاب الفصائلي، ومن تقسيم الموظفين والناس فصائليا، فأي حكومة يجب أن تتولى كل المسؤوليات وتحصل على كل العائدات، ومن يتوسط من حكومات أو جهات شعبية، لإنهاء الانقسام، وتحديدا في الشق المالي، يجدر أن يبدأ بتكوين صورة محددة ومتكاملة حول الإيرادات والإنفاق، وبالتالي وضع خطة تشمل وحدانية الحكومة والسلطة في الجباية والإنفاق.

نقلا عن الغد الأردنية