كتاب عربي 21

دولة في الضفة والقطاع.. رقص في مأتم!

1300x600

ردا على القيادي الفتحاوي عزّام الأحمد، كتب الدكتور موسى أبو مرزوق، أحد كبار قادة حماس، تغريدة بعنوان "ماذا تريد حماس؟"، قال فيها من ضمن ما قاله: "حماس تريد دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس".. وأنت وإذ تقرأ التغريدة، وفي حال كنت جاهلا بما يجري في بلادنا وفي هذا العالم، فإنّه سوف يُخيّل إليك للوهلة الأولى أن دولة الضفة والقطاع تقف على باب الفلسطينيين، ولا يمنعها من الدخول سوى انعدام تفاهم حماس وفتح!

بصرف النظر عن أي كلام تأسيسي حول مسألة الدولة، وحدودها، وكيف استدخلت إلى فكر حماس؛ إلى درجة تضمينها أخيرا في وثيقة سياسية أساسية. وبصرف النظر عن مسألة الحلّ المرحلي، وإن كانت الدولة التي يتحدث عنها الدكتور أبو مرزوق ضمن الرؤية التقليدية لحماس حول الهدنة والحلّ المرحلي، أو كانت رؤية نهائية تتغطّى بالعبارات المواربة، وبصرف النظر عن كون الممسك الرئيس بالمفاتيح الفلسطينية أي حركة فتح وقيادتها هو الذي جرّ الجميع لهذه المربعات الضيقة.. بصرف النظر عن ذلك كلّه، فإنّ الحديث عن دولة في الضفة القطاع لم يعد ذا معنى، وما يمنع دولة كهذه ليست الخصومة بين حماس وفتح، أو سوء فهم فتح لحماس!

 

الحديث عن دولة في الضفة القطاع لم يعد ذا معنى، وما يمنع دولة كهذه ليست الخصومة بين حماس وفتح، أو سوء فهم فتح لحماس

هذه الفكرة لم تكن قائمة أبدا في أي وقت من الأوقات، على الأقل من جهة المعنى الذي يقصده الفلسطينيون، حتى قيادات حزب العمل التي وقّعت اتفاقية أوسلو لم تكن تريد التخلّي عن نفوذها الأمني المباشر وغير المباشر على الضفة الغربية؛ لأنّه في ظلّ موازين القوى، ومنذ احتلال الضفة الغربية، ووضع "إيغال ألون" خطته، وإلى اليوم الذي لم تتغير فيه موازين القوى.. لا يوجد ما يحمل "إسرائيل" على القبول بـ"مبادراتنا وما نريد"، والتخلّي عن عمقها الجغرافي الإستراتيجي وجوهر مقولتها الصهيونية الأيديولوجية المتمثل في الضفة الغربية!

هذا الذي الكلام الذي أقوله، لا ينطوي على أي قدر من العبقرية؛ لأنه من بداهة الواقع الذي لم يعد يختلف عليه اثنان، وحماس ذاتها كانت تقول هذا الكلام أول الأمر في معارضتها لمشاريع التسوية، ليس فقط لأن هذه المشاريع تفرط بالثوابت الفلسطينية (الثوابت التي كان يعرفها الجميع قبل أن يتغير تعريفها بعد أوسلو)، ولكن أيضا لأنها كانت تعتقد أن موازين القوى لا يمكن أن تسمح بأي إنجاز حقيقي لصالح الفلسطينيين في الضفة ولو كان ثمنه التخلّي عن أكثر فلسطين، بل كانت تقول إن وجود السلطة لن يتجاوز غزة وأريحا. ورغم أن السلطة دخلت بعض المناطق تاليا في الضفة تحت عنوان مناطق (أ)، إلا أن هذا لم يعد قائما اليوم بعد عملية "السور الواقي" في العام 2002، ولم تعد حتى أريحا متحررة من النفوذ الأمني المباشر والفيزيائي للاحتلال، أصبح الأمر غزّة وحدها، أولا وأخيرا!
يوجد ما يحمل "إسرائيل" على القبول بـ"مبادراتنا وما نريد"، والتخلّي عن عمقها الجغرافي الإستراتيجي وجوهر مقولتها الصهيونية الأيديولوجية المتمثل في الضفة الغربية


إلا أن قطاعات من الفلسطينيين، وربما كانت واسعة في حينه، وبسبب ما رأته من طول أمد في الكفاح، وبسبب التخلّي العربي، ومأساة الخروج من بيروت، والنهاية المأساوية لحرب الخليج الثانية، واستعجال قطف ثمار الانتفاضة الأولى.. رأت أن هذا التوجه قد يكون ذا مغزى، وهذا بصرف النظر عن النوايا الحقيقية لقيادة منظمة التحرير في حينه. أمّا الآن، فباتت الحقيقة الوحيدة هي أنّه لا إمكانية لإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقدس في الظرف الجاري وضمن موازين القوى القائمة.

وكان يفترض أن تكون هذه الحقيقة قد استقرت في يقين قيادة منظمة التحرير بعد نهاية المرحلة الانتقالية وفشل مفاوضات كامب ديفد ودخول انتفاضة الأقصى، ثم بعد فشل الدفعة التي أخذتها في أنابوليس بعد الانقسام الفلسطيني، ثم في فشل التعويل على أوباما، ثم في فشل التعويل على ترامب. ولم تكن هذه القيادة بحاجة لكل هذه الدلائل، فإن نظرة واحدة للوجود الصهيوني في الضفة الغربية وهندسته الاستعمارية لها تبين ما هي خطته المتدرجة لفرض الحلّ الذي يناسب رؤيته الإستراتيجية لوجود "إسرائيل" وبقائها. وها قد جاءهم ترمب وقال لهم "القدس خارج المفاوضات،" و"لا توجد دولة فلسطينية متصلة وتحظى بنفوذ أمني كامل في الضفة"، و"الوجود الإسرائيلي في الضفة سيظل قائما"، وعلى هذا الأساس فاوضوا.. باختصار هذه هي النهاية الطبيعية المدمّرة لما سُمّي بمسيرة التسوية أو حلّ الدولتين!

خطأ فادح أن تبادر أي حركة تحرر وطني أو حركة مقاومة لطرح أفكار من هذا النوع؛ دون أن تستند إلى تحولات تشير إلى تراجع جدّي مؤثّر في الواقع السياسي للقوّة الصهيونية، أو إلى موازين قوى قادرة على إنفاذ هذه الأفكار


وفي الأساس خطأ فادح أن تبادر أي حركة تحرر وطني أو حركة مقاومة لطرح أفكار من هذا النوع؛ دون أن تستند إلى تحولات تشير إلى تراجع جدّي مؤثّر في الواقع السياسي للقوّة الصهيونية، أو إلى موازين قوى قادرة على إنفاذ هذه الأفكار دون أن تكون فخّا لاستدراج حركة التحرر أو حركة المقاومة إلى مربعات تصفوية وتدميرية.. إنما تُطرح هذه الأفكار حينما تفرض المقاومة وقائع حقيقية جديدة قاهرة على العدوّ، أو إذا تغيرت موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح الفلسطينيين. والحقّ أن العامل الدولي والإقليمي غير منفك عن فعل مقاومة الفلسطينيين.

والحاصل أن نتيجة هذه الرؤية وهذه الأفكار ما نراه اليوم، والأمر لا يتعلق بإدارة قيادة المنظمة وفتح للمفاوضات، أو في شخص من يفاوض، ولا في النوايا التي دفعت تلك القيادة لهذا المسار فحسب، بل، وبشكل أساس، في المبدأ نفسه ضمن موازين القوى القائمة. وإذا كانت صراعات التمثيل والاحتكار والبحث عن مكانة لتلك القيادة قد عزّزت من اندفاعها بهذا الاتجاه، فما الذي يدفع حماس لاجترار هذه الفكرة، وفي أوقات تجرّدها - أي الفكرة - من أي معنى أو قيمة؟!
الأمر لا يتعلق بإدارة قيادة المنظمة وفتح للمفاوضات، أو في شخص من يفاوض، ولا في النوايا التي دفعت تلك القيادة لهذا المسار فحسب، بل، وبشكل أساس، في المبدأ نفسه ضمن موازين القوى

إن كانت حماس مؤمنة بالجدوى السياسية الفعلية من طرح هذه الفكرة، فقد سبق تفنيد ذلك، وإن كانت للمناورة وفتح الأبواب الموصدة في وجه الحركة، فعلى أي أساس المناورة؟ هل لمزاحمة فتح على مساحاتها؟ أم لأجل كسر الحصار عن الحركة؟

من الواضح أن الدخول فعليا وعمليا، بكل ما تبع ذلك من نزول في السقف السياسي للحركة لأجل التفاهم مع فتح وإنجاح قيادة الحركة للسلطة.. قد فرض على الحركة الحصار الذي هي فيه اليوم، فهل يرفعه وثيقة سياسية أو تصريح على تويتر؟

على أية حال، ثمة ما هو أهم وأجدى كي تنشغل فيه الحركة، إن في أمورها الداخلية، أو تفعيل كل مواقعها ومؤسساتها وأجهزتها، أو في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في الداخل، والحفاظ على قوتها في غزّة.