قضايا وآراء

تجربة السويد في مناصرة فلسطين

1300x600

تبدو فلسطين كقضية عادلة على المستوى الشعبي في العديد من دول العالم، أما على المستوى الحكومي الرسمي فتناصرها بعض حكومات دول الجنوب، لا سيما دول أمريكا اللاتينية. يتغير الأمر كلما اتجهنا شمالا، حيث الدول الأوروبية والولايات المتحدة على المستوى الرسمي، إذ تحتفظ كثير من الدول الأوروبية بعلاقة دبلوماسية وثيقة مع إسرائيل. وهنا تبرز السويد كحالة استثنائية في هذه التقسيمة.. تحظى فلسطين بوضعية خاصة على المستويين الرسمي والشعبي في هذه الدولة الاسكندنافية الباردة الواقعة شمال القارة.

سمعت لأول مرة عن دور السويد الرسمي في القضية الفلسطينية قبل نحو عشرين سنة، مع جهود وزيرة الخارجية آنذاك آنا ليند، المدافعة الشرسة عن قضايا الحريات في العالم، والتي انتقدت بشدة سياسة الاستيطان والقمع والتنكيل الإسرائيلية. ووصل الأمر إلى إعلانها صراحة بأنها ستقاطع شخصيا كل المنتجات الإسرائيلة. وفي ذلك الوقت لم تكن حركة "BDS" (بي دي أس - حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها) قد بدأت بعد. لكن للأسف لم يُكتب لآنا ليند أن تستكمل مشوارها السياسي، إذ تم اغتيالها في وضح النهار أثناء تسوقها في أحد المتاجر في العاصمة استوكهولم في أيلول/ سبتمبر عام 2003؛ على يد شاب صربي قيل إنه مختل عقليا.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه الآن مع مواقف وزيرة الخارجية السويدية مارغو فالستروم، أحد أبرز أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي حاليا. إذ تدافع عن حقوق الإنسان في العالم بشكل شجاع، وتعلن صراحة معارضتها للسياسات الإسرائيلية

لم تكن نهاية آنا ليند المأساوية مختلفة عن نهاية أستاذها في الحزب الاشتراكي الديمقراطي ورئيس الوزراء السويدي السابق، أولف بالما، والذي اغتيل بطلق ناري عام 1986 في استوكهولم أيضا، في واحد من أكثر حوادث الاغتيال السياسي غموضا حتى الآن. كان بالما مناصرا للقضية الفلسطينية، ولطالما أغضب إسرائيل بعلاقته بالزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات منذ سبعينيات القرن الماضي. ولم يكن بالما مجرد رئيس وزراء عادي، فكان ولا يزال أحد معالم التاريخ السويدي الحديث. وقد كون مدرسة في السياسة السويدية قائمة على عدم الانحياز الأعمى للقوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قبل انهياره. ومن تلامذته وزير الخارجية السابق ستين أدرشون، وآنا ليند، وغيرهما.

ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه الآن مع مواقف وزيرة الخارجية السويدية مارغو فالستروم، أحد أبرز أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي حاليا. إذ تدافع عن حقوق الإنسان في العالم بشكل شجاع، وتعلن صراحة معارضتها للسياسات الإسرائيلية. ووصل الأمر إلى أن رفضت إسرائيل استقبالها بشكل رسمي عندما زارت البلاد قبل سنتين، وذلك ربما احتجاجا على موقف السويد الذي اعترف بالدولة الفلسطينية عام 2014.

ما تمثله مارغو فالستروم وآنا ليند قبلها ليس مجرد توجه سياسي لحزب له ميول يسارية، بقدر ما هي إعادة بعث لمدرسة أولف بالما من جديد؛ في واقع سياسي مغاير لمرحلة الحرب الباردة. ويمتد نطاق التأثير السياسي والدبلوماسي لما هو أبعد من الحدود الإقليمية للسويد. فكلا الشخصيتين كانتا صوتا عاليا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتعملان ضمن أجهزته ومؤسساته. فالوزيرة الحالية سبق لها أن شغلت منصب المفوّضة الأوروبية للعلاقات المؤسساتية واستراتيجية الاتصال، ومنصب نائبة رئيس اللجنة الأوروبية والمسؤولة الأوروبية عن البيئة، بينما أقيم معهد باسم آنا ليند تابع للاتحاد الأوروبي يقيم مشروعات ثقافية واجتماعية يخلد ذكرها وذكرى نضالها.

 

حققت القضية الفلسطينية هذا الإنجاز على المستوى الرسمي في دولة هامة مثل السويد


أثناء زيارتي الأولى للسويد قبل بضعة أيام، أتيح لي النقاش مع عدد من المثقفين والكتاب الداعمين للقضية الفلسطينية، واستغربت من كم الوعي بتفاصيل القضية الذي تمتلكه شريحة كبيرة في النخبة المثقفة هناك. إذا أضفنا لهذا أن التجربة السويدية في العدالة الاجتماعية والاقتصاد هي مضرب للمثل في العالم، فيمكننا أن نتخيل ماذا يعني أن يكون لفلسطين أصدقاء بهذا النبل في هذا البقعة من العالم.

إن الحق الفلسطيني ليس لديه مقومات وإمكانات دبلوماسية تخوله أن يحرز هذا النصر الدبلوماسية، مقارنة بما تملكه إسرائيل من إمكانيات واسعة وشبكات دعم كبرى. ورغم ذلك، حققت القضية الفلسطينية هذا الإنجاز على المستوى الرسمي في دولة هامة مثل السويد. أتمنى أن تمتد الصداقة السويدية الفلسطينية لصداقات عربية أوسع نطاقا يستفيد العرب فيها من التجربة السويدية في السياسية والاقتصاد. كان المفكر الراحل أنور عبد الملك يدعو دوما لاستفادة العرب من النموذج الآسيوي في النهضة، وربما لا تقل الخبرة الإسكندنافية أهمية عن الخبرة الآسيوية في النهوض كنموذج ملهم للدول العربية.