قضايا وآراء

هل يعود تحالف "برلسكوني" العجوز إلى حكم إيطاليا من جديد؟

1300x600
مثّل الأحد (4 آذار/ مارس 2018) حدثا سياسيا كبيرا في إيطاليا، حيث كان منتظرا مشاركة خمسين مليون ناخب في اقتراع اختيار أعضاء مجلس النواب (630)، ونظيره مجلس الشيوخ (315)، وهو الانتخاب الثامن عشر منذ العام 1948. والحقيقة أن للتجربة الإيطالية في مجال الانتخابات والعمل البرلماني، وتشكيل الحكومات وتعاقبها؛ سمات خاصة، مقارنة مع العديد من النظم الأوروبية المجاورة. يكفي التذكير بأنه منذ صدور دستور 1947 وحتى الآن، عرفت إيطاليا تشكيل 64 حكومة، وهو ما يدل على حيوية المجال السياسي الإيطالي، وعدم استقرار الائتلافات الحكومية وديمومتها.

لنقارن، على سبيل المثال، بالتجربة البريطانية، حيث أنه خلال 62 عاماً من حكم الملكة "فيكتوريا"، تعاقبت على السلطة 11 حكومة، أي بمعدل خمس سنوات ونصف السنة لكل حكومة، وهو مؤشر واضح على الديمومة والاستقرار.

يغلبُ على الانتخابات التشريعية الإيطالية الجارية موضوعان اثنان، هما: الاقتصاد، والهجرة الأجنبية. وهما في الواقع يشكلان هواجس مشتركة مع مجمل البلاد الأوروبية الأخرى. فالأزمة المالية والانكماش الاقتصادي، وما ترتبت عنهما من آثار سلبية، كلها معطيات حكمت برامج الكتل المتنافسة، ووجهت خطاباتها حُيال الجسم الانتخابي، كما دفعت الجميع إلى تقديم وعود وردية بُغية استمالة الأصوات، دون معرفة ما إذا كان بمقدور الفائزين الوفاء بها، وتجسيدها كإنجازات في الواقع.

فتحالف يمين الوسط برئاسة "برلسكوني"، ركز رؤيته الانتخابية على الخطط والإجراءات الاقتصادية التي في نيته الإقدام عليها إن هو ظفر بقيادة الأغلبية البرلمانية والعمل الحكومي، من قبيل فرض ضريبة دخل ثابتة بنسبة 23 في المئة، وزيادة الحد الأدنى للمعاش التعاقدي إلى ألف يورو في الشهر، فضلا عن إلغاء ضرائب الميراث، وتجنب إضافة إجراءات تقشفية. أما بالنسبة للهجرة، فموقف "برلسكوني" وتحالفه واضح، حيث تم التأكيد على طرد قرابة 600 ألف مهاجر غير شرعي على الأراضي الإيطالية. أما غريمه "لويجي دي مايو"، زعيم "حركة خمس نجوم"، المعروف برؤيته الشعبوية وميولاته اليمينية والمحافظة، فيدافع عن خفض الإنفاق العام، وتخصيص خمسين مليار يورو في مجالات عامة، بقصد تيسير الإجراءات الإدارية، والحد من ظاهرة البيروقراطية في مختلف أشكالها، مع تشجيع الابتكار والإبداع في مجال التكنولوجيا. واللافت للانتباه دفاعه عن البقاء داخل الحظيرة الأوروبية شريطة إدخال تغييرات عميقة على قواعد العمل الأوروبي المشترك. وطبعا، موقف حزب "حركة خمس نجوم" الشعبي واضح بخصوص الهجرة الدولية والعمل على القضاء عليها. يبقى أن نشير إلى حزب "رابطة الشمال"، بزعامة "ماتيو سافيني"، الذي شدد برنامجه الانتخابي على ضرورة إعطاء "أهمية خاصة للبحث العلمي وتطوير التعليم، مع تعزيز العقود الدائمة والإنفاق".

كشفت النتائج الجزئية المعلن عنها عن معطيات معقدة وغير مريحة بالنسبة لتطور المشهد السياسي الإيطالي، ولعلاقة إيطاليا بفضائها الأوروبي. فكما أسلفنا الإشارة، لن يكون بمقدور أي حزب الظفر بالأغلبية في مجلس النواب، وتاليا قيادة العمل الحكومي لوحده، بل سيكون إجباريا على الكتل الوازنة الدخول في مفاوضات من أجل بناء الائتلاف أو التحالف اللازم، لتوفير غطاء برلماني قادر على التصويت الإيجابي على برنامج الحكومة المرتقبة. وفعلا، تعرض الحزب الديمقراطي الحاكم لهزيمة مدوية، عبرت بوضوح عن تراجع، إن لم نقل انهياراً تاريخيا لقوى اليسار، مقابل فوز شبه كاسح لحركة "الخمس نجوم"، وتحالف اليمين. فالحزب الديمقراطي الحاكم منذ خمس سنوات لم يتجاوز فوزه 19 في المئة من أصوات الناخبين، نظير 23.23 في المئة حصل عليها في الانتخابات السابقة، و40 في المئة في الانتخابات الأوروبية الأخيرة. أما إجمالي الأصوات التي ظفر بها تحالف يسار الوسط بقيادة الحزب الديمقراطي، فلم تتجاوز 23.23% من الأصوات، ولم يحصل، في المقابل، حزب "أحرار متساوون"، اليساري المنشق؛ سوى على 3.7 %، وهي أسوأ نتيجة في تاريخ اليسار الإيطالي منذ الحرب العالمية الثانية.. وفي المقابل، كما أسلفنا الإشارة، كان نصيب حركة "الخمس نجوم" عاليا وغير متوقع، حيث حصدت بشكل أولي 32 في المئة من الأصوات متصدرة كل الأحزاب والكتل السياسية المتنافسة في المشهد السياسي الإيطالي.. ولعل هذا المعطى الأكثر إثارة للانتباه في اقتراع 4 آذار/ مارس 2018 في إيطاليا. وبالنسبة لتحالف يمين الوسط، فقد حقق 37.5 في المئة من الأصوات، منها: 18 في المئة لحزب "رابطة الشمال"، المعروف بمناهضته للأجانب والاتحاد الأوروبي، وقد تمكن بذلك من انتزاع زعامة اليمين الإيطالي من حليفه المنافس حزب "هيا أيطاليا"، بزعامة "سيلفيو برلسكوني"، الذي لم يظفر إلا بـ 14 في المئة من الأصوات.

تؤكد النتائج الأولية لاقتراع 4 آذار/ مارس 2018 الإيطالي عن حصول ما يشبه الزلزال في المشهد الحزبي والسياسي الإيطالي، وهو زلزال لن يكون له الأثر البالغ على الحياة البرلمانية والحكومية الإيطالية فحسب، بل قد يمتد إلى الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، بسبب المكانة المهمة لإيطاليا في هذه المنظومة، وفي الاقتصاد العالمي، حيث تمثل القوة التاسعة في الترتيب الدولي.. فالإيطاليون قلقون من مستقبل الحياة في بلدهم، وأوروبا قاطبة قلقة معهم ومتوجسة مما سيكون عليه المشهد السياسي في إيطاليا.