قضايا وآراء

الأزمة الخليجية تتسلّل إلى لبنان من بوابة انتخابات اليونسكو

1300x600
شكلت نتائج انتخابات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) التي شهدتها العاصمة الفرنسية مادة سجالية جديدة أضيفت للملفات الخلافية اللبنانية. الأزمة هذه تتعلق باستياء عبر عنه وزير الداخلية نهاد المشنوق من عدم تصويت مندوب لبنان في المنظمة الدولية لصالح مرشحة مصر، وهو ما ولّد استياء مصريا حاول المشنوق استدراكه بالتصعيد في مواجهة وزير الخارجية جبران باسيل، خاصة أن للمشنوق علاقة وطيدة ومتشعبة بالنظام المصري. لذلك كان لزاما على المشنوق تقديم اعتذار للحكومة المصرية على عدم تصويت لبنان إلى جانب مرشحها في انتخابات اليونسكو.

بالمناسبة ليست هي المرة الأولى التي نجد فيها معالي وزير الداخلية "القوي" حريصا على عدم إغضاب النظام المصري والسعي لاسترضائه، فقد سبق له عام 2014 أن أوعز للأجهزة الأمنية - خلافا للقانون - بتوقيف وتسليم عدد من الإعلاميين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين إلى النظام المصري، دون عرض الموقوفين على النيابة العامة ودون إذن قضائي بتسليمهم، والأهم دون أن يرتكب الموقوفون أي مخالفة على الأراضي اللبنانية.

بالعودة لانتخابات منظمة اليونسكو، المرجح هو أن مندوب لبنان لم يصوّت لصالح المرشحة المصرية. ما يؤكد على هذه النتيجة هو تصريح لوزير الخارجية قال فيه إن "لبنان لم يصوّت لقطر ضد مصر في انتخابات "اليونسكو"، بل أبعد نفسه عن المشكلة كما ينص البيان الوزاري بعد أن عجز عن تأمين التوافق العربي". ولعلّها من المرات النادرة التي يلتزم فيها جبران باسيل بالبيان الوزاري، الأمر الذي افتقده اللبنانيون حين التقى بوزير خارجية النظام السوري وليد المعلم في نيويورك.

مرارة النظام المصري من موقف لبنان، مرتبطة بالأزمة الخليجية التي شكلت انتخابات منظمة اليونسكو وسيلة من وسائل كثيرة؛ أرادت الدول التي تحاصر قطر استخدامها لتشديد الخناق حول الدوحة، وهي سعت بكل ما تستطيع لحشد الدعم للمرشحة المصرية للفوز بالمنصب الثقافي الأرفع في العالم على حساب مرشح قطر. لكن النتيجة جاءت معاكسة، ففي كل مراحل الانتخابات الأربع تصدر المرشح القطري النتائج، وحلّت مرشحة مصر في المراتب الأخيرة، وكانت خسارة مرشح قطر في المرحلة النهائية نتيجة طبيعية بعدما جيّرت مصر أصواتها لصالح المرشحة الفرنسية لتفويت الفرصة على قطر، الأمر الذي لو كان حصل؛ سيشكل ضربة موجعة للدول التي تحاصر قطر، التي تبذل ما تستطيع لتشويه صورة قطر وتسعى لعزلها.

بالتزامن مع بدء الحصار السعودي الإماراتي البحريني، ومعهم المصري، على قطر، سعت البعثات الديبلوماسية لهذه الدول إلى مشاركة دول أخرى فيما تقوم به. وهي نجحت في مسعاها مع بعض الدول الضعيفة والفقيرة التي اضطرت لمجاراة دول الحصار حرصا على المساعدات التي تقدمها هذه الدول، ودرءا لأذاها، فقطعت علاقاتها الديبلوماسية مع الدوحة. لبنان كان من ضمن الدول التي سعت دول الحصار لاستمالتها، على اعتبار أنه من الدول الصغيرة والضعيفة. لذلك، منذ الأيام الأولى لحصار قطر؛ جال على المسؤولين اللبنانيين سفراء كل من الإمارات والبحرين ومصر، إلى جانب القائم بالأعمال السعودي، وطلب السفراء ممن التقوهم الوقوف إلى جانبهم في حصار قطر، وقطع العلاقات مع الدوحة. لكن الجواب كان أن لبنان يتبع سياسة النأي بالنفس، وهو لن يدخل طرفا في الأزمة الخليجية. الحياد تجاه الأزمة الخليجية لم يكن خُلُقا رفيعا من الحكومة ولا حرصا على الشقيق القطري، بقدر ما كان حرصا على عدم استفزاز حزب الله الذي يشكل الطرف الأقوى في السياسة والشارع، وهو لا يجد نفسه معنيا بالوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية في الوقت الذي يناصب سياستها في المنطقة، بالإضافة لمواجهته السياسة الإماراتية الاستعمارية التي تمارسها في جنوب اليمن، هذا عدا عن أن الحصار المفروض على قطر ساهم في زيادة التقارب مع إيران، بعدما فتحت طهران موانئها لتأمين ما تحتاجه قطر، وباتت مرافئ طهران النافذة الأقرب للدوحة إلى العالم. كل ذلك جعل من الموقف اللبناني ثابتا في رفض التدخل في الأزمة الخليجية والوقوف على الحياد.

من إيجابيات الانقسام الداخلي هو الحؤول دون التحاق لبنان بمحاور الخلاف الإقليمية. ولولا ذلك، لكان لبنان غارقا في الصراعات الإقليمية والدولية التي لن تعود عليه إلا بالمزيد من الخلافات والانقسامات.