ملفات وتقارير

هل بات الإعلاميون العرب في تركيا بمتناول الديكتاتوريات؟

عثر على عروبة وابنتها مضرجتين بدمائمها بمنزلهما في اسطنبول
بعد الجريمة التي طالت الإعلامية والناشطة السورية عروبة بركات، وابنتها الصحفية أيضا؛ حلا، في اسطنبول، يعود للواجهة التساؤل الذي يتكرر بين حين وآخر: هل الإعلاميون المناهضون للديكتاتوريات العربية في تركيا يمكن أن يكونوا أهدافا يسهل الوصول إليها؟

وفي أجواء لفها الحزن والغضب في ساحة مسجد الفاتح في وسط اسطنبول، تم تشييع الضحيتين السبت، فيما أكدت شذى بركات، شقيقة عروبة، أن أسرتها ثابتة على مواقفها، وقالت لـ"عربي21" إنها تعلم أن شقيتها تم اغتيالها لأنها فقط معارضة لنظام بشار الأسد، "وقد طالتها المخابرات السورية واغتالتها في منزلها".

وأضافت شذى أن الحكومة التركية فتحت أبواب البلاد "لاستضافة المظلومين والمعارضين من سوريا وغيرها من بلدان الربيع العربي التي تعاني القهر والظلم".

ويشار إلى أنه خلال العامين الماضيين قتل خمسة إعلاميين وناشطين على الأقل، بينهم الصحفي ناجي الجرف والإعلامي زاهر الشرقاط، إضافة إلى ثلاثة ناشطين في حملة "الرقة تذبح بصمت".

نحمل الأتراك فوق طاقتهم

من جهتها، تؤكد الإعلامية المصرية المناهضة للانقلاب، صفية سري، التي سبق أن تعرضت للاعتداء من مجهولين في 2015 في أثناء عملها بقناة الشرق، أن بيان الخارجية الأمريكية حول جريمة اغتيال عروبة وابنتها، "الذي صدر سريعا، أظنه يريد أن يمثل ضغوطا على تركيا، فهو لم يشر من بعيد أو قريب للنظام السوري"، وفق قولها، علما بأن حلا تحمل الجنسية الأمريكية.

وقالت لـ"عربي21": "هذه الجريمة المروعة بكل المقاييس؛ تؤكد أن الإعلاميين العرب الموجودين في تركيا في خطر منذ فترة طويلة وليس الآن، ولكن لا نستطع أن نحمل تركيا فوق ما تحتمل، فعدد المعارضين هنا من جنسيات كثيرة كبير للغاية، وهي بالأساس تتحمل أعباء أمنية كبيرة، وتحدياتها بلا حدود".

ورأت سري أن المسؤولية الأكبر على الإعلاميين العرب أنفسهم، "فإذا كان الأمن في الأساس يقع على عاتق الدولة المضيفة، لكن على الأقل شيء من الترتيب والترابط يخفف العبء على الأتراك، فهم يتحملون عبئا سياسيا وضغوطا شديدة، ومن المستحيل أن يتحملوا الجانب الأمني وحدهم"، على حد قولها.

وعادت سري إلى حادثة الاعتداء عليها عام 2015، حيث اختطفت بالقرب من مكان عملها في تلفزيون الشرق المصري المعارض، ثم تعرضت للاعتداء بالضرب.

وقالت: "في أثناء التحقيقات كان المحققون سيصابون بالجنون من هول التسيب واللامبالاه التي اكتشفوها، فلا كاميرات مراقبة (لمقر المحطة)، ولا أبواب مغلقة، ولا حراسة، حتى بقايا الشريط اللاصق وما شابه، وما يمكن أن يساعد في التحقيق، تم محوه من داخل القناة، بحجة تنظيف المكان، وفي النهاية الفاعل ظل مجهولا؛ إلا أنه من الظلم أن نحمل الأتراك فوق طاقتهم".

رسالة تخويف لن تفلح

من جانبه، وصف الكاتب المصري، قطب العربي، اغتيال عروبة بركات وابنتها حلا في شقتهما في اسطنبول؛ بأنها "مسألة خطيرة؛ لأننا نتحدث هنا عن استهداف مباشر لشخصيتين معروفتين بمعارضتهما لنظام بشار الأسد، وهذا القتل يحمل رسالة لكل المعارضين السوريين في الخارج، وهو ربما ما حفز الخارجية الامريكية لإصدار تصريحها بإدانة الحادث".

وأضاف العربي لـ"عربي21" أن هذه الجريمة تضع "ضغطا إضافيا على أجهزة الأمن التركية لحماية سمعة دولتها من تسلل شبيحة بشار الأسد، وقيامهم بقتل معارضيه علي الأرض التركية، ما يعطي انطباعات سلبية عن الحالة الأمنية في تركيا".

وأكد أنه واثق من أن الأمن التركي يبذل قصارى جهده لكشف المجرمين، "ونأمل أن يتمكن من ذلك سريعا حتى يقطع الطريق على شبيحة بشار أو غيره من الحكام الديكتاتوريين العرب، الذين قد يفكرون في التخلص من خصومهم المقيمين في تركيا، فحين يتأكد هؤلاء أن الأمن التركي سيكشف جرائمهم فإنهم سيمتنعون عن تلك الحماقات"، على حد قوله.

الضحية تحمل الجنسية الأمريكية


وأكد الصحفي التركي زاهد جول، مؤسس بيت الصحفيين العرب، أن السر وراء بيان الخارجية الأمريكية هو أن "الزميلة عروبة وابنتها تحملان الجنسية الأمريكية، وهو ما دفعها لاستنكار هذه الجريمة ضد مواطنة أمريكية أيضا".

وقال لـ"عربي21" إنه جمعته بعروبة بركات "زمالة عمل في الإمارات لمدة سنتين، و"أعلم أنها تحمل الجنسية الأمريكية، وأنها مناضلة شرسة ضد نظام بشار الأسد، عادت إلى سوريا بعد الثورة وواصلت نضالها وخرجت قبل سنتين لتعمل من تركيا".

على تركيا أن تدافع عن سمعتها

 من جهته، يوجه المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان، أصابع الاتهام إلى الأسد "الذي يقف وراء اغتيال المناضلة السورية وابنتها كما سبق أن اغتال زوجها في الثمانينيات"، مؤكدا أن الأسد "يريد تخويف الأحرار السوريين بالخارج، ولكن مرتكبي تلك الجريمة لن يفلتوا بها، وستكشفها أجهزة الأمن التركية لتقطع الطريق على هؤلاء المجرمين من جهة، ولتحافظ على سمعة تركيا من جهة أخرى"، بحسب تعبيره.

ودعا أوزجان، في حديث لـ"عربي21"، الحكومة التركية لـ"البحث فورا عن وسيلة لتأمين حياة الصحفيين المعارضين على أراضيها؛ لأنهم جميعا مستهدفون من أنظمة الثورات المضادة في بلاد الربيع العربي للأسف الشديد".

وقال: "لا بد من اجتماع عاجل حول حصانة الصحفيين والصحفيات الأجانب في تركيا، ووضع نظام رقابة لحمايتهم حتى لا يتكرر الاعتداء على غيرهم، حيث سبق أن طالت يد الغدر زملاءهم من قبل في غازي عنتاب، وذلك حفاظا على سمعة تركيا؛ لأن هذه هي مسؤوليتها، وهذا هو قدرها أن تكون ملاذا للمظلومين في العالم العربي والإسلامي"، كما قال.

لا بد من مظلة تركية أو عربية تحمينا

ويقول الإعلامي العراقي صهيب الفلاحي؛ إنه "في الوقت الذي تسعى فيه الديكتاتوريات لإسكات الصحفي العربي بشتى الوسائل، لما تخشاه من قوة كلمته، لا توجد في تركيا مظلة حقيقية عربية أو تركية تؤمن الحد الأدنى لحقوق الإعلاميين العرب الذين يمثلون ظاهرة بارزة"، ويعدون بالمئات ومن كل الجنسيات".

وأضاف الفلاحي لـ"عربي21" أن "الإدانات وحدها لا تكفي ولا يترتب عليها شيء، لكن في واقع الأمر، فإن هذه الأحداث تمثل سلسلة لا تنتهي بين ديكتاتور يسعى لإخماد الأصوات، وصحفيين يساهمون في تعريته، ومجتمع دولي يقف إلى جانب القاتل ويغازل في الوقت نفسه ضحاياه.

ويقول المذيع السوري جهاد عادلة؛ "هذه جريمة نظام بشار بامتياز، هدفه التخويف"، وأكد أن على الإعلاميين أن يتوخوا الحذر، مشيرا إلى أن النظام يمتلك خلايا نائمة في تركيا،" والتطورات الأخيرة قد أكسبته بعض الثقة"، كما قال لـ"عربي21".