كتاب عربي 21

تركيا وإيران من المواجهة للتعاون

1300x600
كثيرة هي الملفات الخلافية بين أنقرة وطهران والتي يغلب عليها طابع التنافس بين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين، من السباق على خطوط نقل النفط العراقي إلى صراع النفوذ في آسيا الوسطى وأزمة إقليم ناغورنو كاراباخ، بيد أن ملف التنافس الأول والأهم يرتبط بالتطورات في كل من سوريا والعراق، وخصوصا بعد 2011.

دعمت كل من تركيا وإيران أحد طرفي الأزمة في سوريا منذ شهور الثورة الأولى، الأمر الذي وضعهما وجهاً لوجه في ظل تناقض الرؤى والمصالح والمواقف، لكنهما لم تنجرفا أبدا للمواجهة المباشرة وإن وصلا أحياناً لحدود الحرب بالوكالة مع حدة كبيرة في التصريحات والتهديدات، إذ كانت المصالح الاقتصادية والتخوفات من أي صراع إقليمي يحمل طابعاً مذهبياً كابحين مهمين لهما. وهكذا، وفي ظل الخلاف الكبير والاختلاف الأكبر والتعارض في المواقف، لم تتوقف الزيارات بين الطرفين ولا التعاون الاقتصادي ولا حتى التصريحات الإيجابية في معظم الأحيان.

ولعل تطورات الأزمة السورية من بعد حلب قد قربت الجانبين أكثر فأكثر، إذ أصبحا في نفس الإطار الثلاثي الراعي لمسار أستانة ومراقبة التطورات الميدانية إثر اتفاق مناطق خفض التصعيد، فضلاً عن اتفاقهما مع باقي الأطراف على استحالة الحل العسكري وضرورة المسار السياسي التفاوضي. بيد أن زيارة رئيس الأركان الإيراني محمد حسين باقري لتركيا قبل أيام - الأولى من نوعها منذ الثورة الإيرانية - تكتنف أبعادا مختلفة عن كل ما سبق وتحمل معنى التعاون الجدي والعميق.

فزيارة باقري على رأس وفد عسكري وسياسي رفيع وما رافقها من تصريحات وما وقع عليه من اتفاقات في مجالات التعاون العسكري والاستخباري والاستراتيجي أتت بعد متغيرات إقليمية مهمة في مقدمتها الملف الكردي وخصوصاً الاستفتاء المزمع عقده في أيلول/سبتمبر المقبل في إقليم "كردستان" العراق. كما أن الزيارة فتحت باباً جديداً للتعاون المستقبلي في مجالات التدريب وتبادل الزمالات والمناورات المشتركة، كما أشارت لزيارتين قريبتين لكل من اردوغان ورئيس الأركان التركي إلى إيران.

ينظر الطرفان بحساسية شديدة لأي تطور يتعلق بالملف الكردي في كل من سوريا والعراق لتأثيراته المحتملة عليهما في الداخل، ومن هذا المنطلق ترفض أنقرة تأسيس أي كيان سياسي يحكمه حزب الاتحاد الديمقراطي وأذرعه العسكرية في سوريا لعلاقة الأخير بحزب العمال الكردستاني، وتشاركها طهران نفس الرفض وإن بدرجة أقل.

بيد أن التطور الذي وضع الطرفين أمام ضرورة بلورة موقف مشترك وعالي السقف كان إعلان مسعود البارزاني رئيس إقليم شمال العراق عن إجراء استفتاء شعبي لأكراد الإقليم حول استقلاله. الاستفتاء "غير الملزم" في نتيجته والذي يحمل فقط معاني رمزية تقوي ورقة الطرف الكردي على طاولة التفاوض مع حكومة بغداد المركزية تعتبره العاصمتان الإقليميتان خطوة مساعدة على طريق الاستقلال وبالتالي معقّدة للملف الكردي الداخلي فيهما، ولذا فقد عبرا عن موقف مشترك رافض له بل وصل الأمر للتحذير من عواقبه التي تراوحت بين "التوتر" في تصريحات باقري و"الحرب الأهلية العراقية" في كلام وزير الخارجية التركية مولود تشاووش أوغلو.

لا يقف الأمر عند المواقف اللفظية، بل قدمت إيران في هذه الزيارة خطوات عملية لتأكيد تقاربها مع أنقرة، مثل الاتفاق على أمن الحدود المشتركة المهم أمنياً واقتصادياً للطرفين بعد أيام من بدء إنشاء جدار على طول 144 كلم من أصل 550 كلم من الحدود المشتركة لمنع تهريب مسلحي العمال الكردستاني واللاجئين، وهو موقف إيراني متقدم بالمقارنة مع سياساتها في السنوات السابقة.

وهناك طبعاً ما يتعلق بالملف السوري ميدانياً، مثل خطة تركيا المفترضة لعملية عسكرية في عفرين (أو غيرها) ومصير إدلب التي للطرفين (ومعهما روسيا) مصلحة في استباق أي تحرك أمريكي - كردي نحوها على قاعدة المخاطر المشتركة والربح للجميع.

لطالما افتخر الطرفان بأنهما يتشاركان الحدود الأكثر أمناً واستقراراً في المنطقة منذ مئات السنين، وكثيرا ما أعطوا للدول الأخرى دروساً في السياسة الواقعية المبنية على المصالح والمخاطر المشتركة، ولعل هذا التطور الأخير يكون درساً إضافياً لدول كثيرة تبني سياساتها على المناكفات الشخصية والمصالح المتوهمة رغم كل المشتركات التي تفرض تعاوناً وتحالفاً على المستوى الاستراتيجي وليس التكتيكي فقط.

لم تنته الخلافات والاختلافات بين تركيا وإيران بمجرد الزيارة، فما زالا في تنافس وتناقض في الرؤى والمصالح والمواقف إلى حد كبير، لكنهما فضلا وضع الخلافات البينية جانباً مؤقتاً لمواجهة ما اعتبروه تهديداً استراتيجياً مشتركاً. فهل تصل الرسالة للآخرين - وما أكثرهم - الذي فشلوا حتى الآن في بناء سياساتهم على المشتركات أو على الأقل فهم سياسات الدول الإقليمية والعالمية وكيف تبنى وتركوا العنان لأوهامهم في تحليل وتفسير مواقفها سيما تركيا وإيران؟