قضايا وآراء

ليبرالي أنا!

1300x600
من فتره لأخرى تضج أجهزة الإعلام وأجهزة التواصل الاجتماعي بالحديث عن ذلك المرض المسمى بالليبرالية، ويبدأ الخلط والمزج بين المفاهيم بهدف التشويش على عقول الناس والتأثير على المسار، لعلنا نتوه ونضل الطريق، حتى أن البعض يخلط بين الليبرالية والعلمانية والشيوعية والإلحاد.

ولن أسعى هنا لاستنباط المعنى وتحليله، ولكني سأضع امام حضراتكم المعنى اللغوي والسياسي لليبرالية والعلمانية، ولنحاول أن نطابقهما للواقع الذي نعيشه.

يقول المعجم الحديث "ويكيبديا" في تعريفه لليبرالية أنها مجموعة من المبادئ التى تنظم العلاقات بين البشر على أسس من العدالة، وحرية التفكير والاعتقاد، وكذلك احترام الآخر وقبوله عدم إقصائه.

ويقول ذات المعجم في العلمانية إنها فصل الحكومة والسلطة السياسية عن السلطة الدينة، وعدم أحقية الدولة في إجبار أي شخص على اعتناق معتقد ما، وألا تتبنى الدولة أي دين أو معتقد.

والغريب أن من يتشبث بهذه المسميات؛ يتصورها أو يُصورها على أنها المناقض للدول الدينية، وأنه بتطبيق قواعد ليبراليته أو علمانيته سينقذ العالم من جبروت رجال الدين، وشرور الدين ذاته.  

ودون الدخول في الجدل العقيم حول مدى تطابق أو تناقض اليبرالية أو العلمانية والدين، دعنا نتعرف على المعنى المباشر والتطبيق العملي، ولن يأتي ذلك إلا من خلال الخوض في كل مبدأ من مبادئ المفهومين.

تتحدث الليبرالية عن العدل والمساواة بين الجميع. بمعنى أدق؛ رفض الظلم ونبذ التفرقة بين البشر على أي أساس كان، أولا يحثنا الدين على ذلك؟ كما أن الليبرالية تقر حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو اللااعتقاد، مبادئ جميعها أقرها الدين قبل أن تولد الليبرالية بقرون عدة. أما قيمة احترام الآخر وقبوله وعدم إقصائه لم تعرف إلا عندما عرف الإنسان الدين.

باختصار، عندما تقرأ مبادئ الليبرالية تجد نفسك تقرأ مبادئ الإسلام تحت مسمى آخر يحتضنه الغرب ويسعى الشرق لتقليده، ويتنازع أهل الشرق مفاهيمه يجرمها البعض ويحرمها البعض الآخر.

ونعرج للحديث عن العلمانية التي تفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، ولأن خلط المفاهيم جعل بعضنا يتصور أن الإسلام يرفض ذلك. وهذا بلا شك غير صحيح، لقد مثلت العلمانية ثورة تنوير ضد سيطرة الكنيسة على الحكم في عصور الظلام الأوروبية، أمر لا يخص الإسلام في شيء، لأن الإسلام لم ينصب سلطة دينية فوق مقاليد الأمور، بل إن العلمانية التي تتحدث عن عدم أحقية الدولة في إجبار أي شخص على اعتناق معتقد ما، ما هي إلا الإسلام.

إن علمانية وليبرالية "يوسف العتيبة" ومريديه؛ اللتين أثارتا الجميع، لم نسمع عنهما إلا عندما ثار الشعب العربي للحرية، ولا ننسى أنه عندما ثار الشعب العربي للحرية ضد عمائم الخليج تشبث مشايخهم بالدين كحامي المجتمع من شر الليبرالية، وعندما ثار الشعب مقدما قيادات سياسية بأيدولوجية دينية، انتفض ذات المشايخ ليحتموا بكتب اللييبرالية المقدسة التي هي عدوة الدين، كما قدموها. في الحالتين أصابهم الذعر؛ لأن الشعب تحرك بحثا عن حقه.

ذلك لكون امتلاك الشعب حقه هو في الحقيقة استرداد حق مغتصب، وباسترداده ستهتز عروش كما اهتز من قبل عرش كسرى. فما انتفاضتهم المريضة إلا شهوة السلطة التي لا مبادئ ولا قيم تحكمها.

ويربط البعض الليبرالية بالإباحية، ولا يسمح لمريديه بالتفكير في أن الليبرالية حق المجتمع في العيش بحرية وحقه في تنظيم حياته، تضمنتها الإباحية أو لم تتضمنها، ويتناسى هؤلاء ان مثلهم الأعلى في الليبرالية، أسيادهم في الغرب، منهم من يجرم الدعارة التي يروُجون لها ويحتسون كأسها، وأن حرية الاعتقاد تشكل حرية الاعتقاد في الدين وممارسته، وليست منع الدين وتجريمه أو تشويهه.

إن العلمانية التي ينشدها ابن زايد ودحلان وتوابعهما هي خلع الدين من الدنيا، بل وإهانة الدين، الهدف من علمانية ابن زايد ودحلان أن تزيح الإسلام، بما يسمح للإباحية بأن تدمر المجتمع، دون أن يسمحوا لليبرالية أن ترسي قواعد حرية التفكير والتعبير والاعتقاد، دون أن يسمحوا للعامة بحق الاختيار، ذلك الحق الذي تصدر منفستو الليبرالية.

إن الحرية قيمة إنسانية فطرية، لم ترتبط بالدين بل صقلها الدين، فلنصحح المفاهيم ولنحقق الحرية بإرادتنا لنسحق بها العبودية والإباحية معا.