مقالات مختارة

كارثة القطارين .. البلادة والفشل!

1300x600
الجمعة 11/8/2017 يقع حادث جديد بين قطارين في الإسكندرية يزيد مآسي المصريين، ويخصم من مساحة الفرح التي تضيق باستمرار، ويزيد من مساحة الألم التي تكبر بوتيرة سريعة.

فقدت مصر 49 من أبنائها، خالص العزاء لأسرهم، وهناك 123 آخرون مصابون ويخضعون للعلاج، شفاهم الله جميعا، ونتمنى ألا ينتقل أحد منهم إلى قائمة الوفيات.

كالعادة في حوادث قطارات السكة الحديد تحدث ضجة إعلامية مؤقتة يتشارك فيها الفرقاء لغة الغضب لوقوع الجريمة، ويعتريهم الحزن على الضحايا، لكنهم يصيرون نمورا شرسة في تحليل الأسباب، فينتقلون من لحظة اتفاق سريعة إلى شقة خلاف عميقة، هناك فريق يصب جام غضبه على النظام ومستوياته العليا، بأنه مسؤول عن الكارثة الجديدة، وعن كل الكوارث الأخرى، وهناك من يذهب ملتمسا الأعذار، باحثا عن المبررات، ملقيا بالمسؤوليات على نفر من مستويات أقل في دولاب العمل الرسمي، وقد تصل الاتهامات إلى الوزير المعنى، والتضحية به امتصاصا لغضب الرأي العام. 

وبمناسبة وزير النقل، وهو المعني بمرفق السكة الحديد، فقد اكتشفت مع النكبة الراهنة أنني أول مرة أقرأ أو أسمع فيها أن اسمه هشام عرفات، وهو دكتور مهندس مهتم بالطرق والأنفاق، وقد يكون ذلك تقصيرا مني، لكن تفسيري لذلك الأمر أنه لا يوجد في الشأن العام ما يغري على المتابعة والاهتمام بشغف، ولا معرفة وحفظ أسماء الوزراء، وغير الوزراء، وأن السياسة عندما تغيب، وتتجه للموت المتعمد فإنه لا معنى لتسجيل الأسماء وتذكرها، علاوة على أن الوزراء في مصر مجرد أدوات تنفيذ بلا صلاحيات حقيقية في صياغة ورسم سياسات وزارية واقعية وجادة، ويُتوج ذلك أن شخص الرئيس يبقى طاغيا في المشهد السياسي والإعلامي، فهو وحده الذي يتصدر الصورة، وهو وحده الذي يرى ويقرر ويتصرف ويوجه، وهو وحده الذي يتحلى بالحكمة والخبرة والمعرفة والرؤية الصائبة

الوزير يدلل بنفسه وبكلامه على أنه بلا فاعلية، ففي تصريحات تلفزيونية ليلة الحادث نجده يطالب بضرورة الاهتمام وتطوير البنية التحتية للسكة الحديد حتى لا تحدث هذه النوعية من الكوارث، كما يطالب بتطبيق التكنولوجيا الحديثة لمنع الأخطاء البشرية، ويؤكد أن الأمن والسلامة ليس بهم أحكام رقابة، وأن التكنولوجيا هي الحل.

لمن يقول الوزير هذا الكلام؟ هل يقوله لنا نحن المواطنين؟ هل يشتكي لنا عوضا عن عدم قدرته على الشكوى لرؤسائه؟ وماذا في أيادينا لنقدمه له؟ لماذا هو موجود في الوزارة منذ 16 فبراير الماضي طالما يذكر مثل هذا الكلام في تلك اللحظة الرهيبة؟ هل يكتشف اليوم فقط أن السكة الحديد بحاجة للتطوير والتكنولوجيا؟ لماذا لم يقل ذلك لرئيس الوزراء، وهو رئيسه المباشر، أو لرئيسه الأعلى في السلطة التنفيذية، وهو الرئيس؟ عندما يكتشف الوزير ليلة الجمعة الحزينة أن مستوى السكة الحديد متدهور، فلماذا لم يقم بالإصلاح؟ أو لماذا لم يتشّجع ويستقل، إذا اتضح أن وجوده مثل عدمه في هذه الوزارة؟

من الغرائب في مصر أن الوزراء جميعا الحاليين والسابقين عندما تقرأ سيرهم الذاتية تجدها تحفة في الشهادات والخبرات والمناصب والنجاحات، ثم عندما يدخلون الوزارات تجد التعثر هو العنوان العريض لهم، لكنهم ليسوا وحدهم، فقد استمعنا لشعارات ووعود وعهود براقة أثارت حالة من النشوة العامة مع بداية إعداد وتمهيد الأرض والناس بأن عهدا سعيدا قادما مع الساكن الجديد للقصر ثم اليوم تتبدد الوعود بالحياة الحانية المريحة، ويكون حادث القطار مؤشرا على أن نظام اليوم لا يختلف عن كل نظام سابق، أجندة القول لا تجاريها أجندة الفعل.

حوادث القطارات في مصر يمكن الاكتفاء بها وحدها دون غيرها على نجاح أو إخفاق منظومة الحكم لأنها باتت ظاهرة وفعل متكرر، وطالما يتوالى حدوثها، فهي شهادة على استمرار حالة التردي العام، وتصدّر غير الإكفاء لمواقع المسؤولية.

نعم، تقع حوادث القطارات في كل دول العالم، لكن تُعالج الأسباب، ويجري سد كل الثغرات البشرية والفنية والبنيوية حتى لا تتكرر، ليبقى فقط الخطأ القاهر الذي لا يمكن التنبؤ به، أو التحكم فيه، هو العلة الوحيدة، إنما عندنا تحدث الكوارث بالسيناريو ذاتها لمرات، وبنفس الأخطاء لمرات، وبنفس الدرجة من الإهمال واللامبالاة وغياب سلطة المسؤولية والجدية والضمير والأخلاق، وهذا يعني وجود أزمة كبيرة وخطيرة في بنية العقل والتفكير والرؤية والسياسة والأداء العام.

الحادث الأخير يمثل علامة سوداء على حالة البلادة التي وصلنا إليها، فالقطار تعطل على الخط، ولم يتم الإبلاغ فورا عن ذلك لإيقاف القطارات القادمة من جهات أخرى على نفس الخط، وبالتالي كان الاصطدام محتما، ودماء الضحايا تذهب سدى، وبعد أيام سيتم نسيانهم كما جرى ذلك مع ألوف سبقوهم لنفس المصير، ويبقى الحزن من نصيب ذويهم وحدهم، وحتى تقديرهم وتعويضهم ماديا ومعنويا لا يساوي شيئا عند سلطة تتعامل مع رعاياها باعتبارهم عبئا عليها، وكأنها صاحبة "العزبة"، وهم أجراء عندها.

من الطبيعي أن يكون اللوم للسلطة الحالية أكبر من سابقاتها لأنها قدمت نفسها باعتبارها تقوم بمهمة تاريخية في إنقاذ مصر، وبعث المصريين من رقادهم الطويل، وروجت بأنها تملك الحلول السحرية لكل المشاكل الأزلية، ثم تظهر الحصيلة في الأداء المتواضع، وتزايد الأزمات والديون، واتساع الفقر، وجعل الحياة لا تُطاق من الغلاء، وإغلاق متتابع لنوافذ الحريات التي انفتحت بعد يناير، ومن هنا لا يكون مستغربا أن تصبح سلطة مبارك - الذي كان يُوصف بالبليد والمتبلد - أملا لشرائح متزايدة من الناس، وأن يشير الحنين عندهم لعهد الأمس إلى نوع من التصويت المضاد منهم لعهد اليوم.

المصريون المصرية