قضايا وآراء

ألا يحق للبنانيين التشكيك بجيشهم؟!

1300x600
ما زالت أصداء وفاة أربعة لاجئين سوريين في مراكز التوقيف التابعة للجيش اللبناني؛ تتفاعل داخليا وخارجيا، رغم مرور أكثر من أسبوع على حصول الوفاة التي جاءت بعد حملة المداهمات التي نفذها الجيش اللبناني في مخيمات النازحين السوريين في منطقة البقاع وأدت لاعتقال المئات.

بيانات عدة صدرت عن منظمات حقوقية دولية، وكذلك أصوات علت داخل لبنان، طالبت قيادة الجيش بإجراء تحقيق مستقل وشفاف، يكشف الأسباب التي تقف خلف وفاة الموقوفين في مراكز التحقيق، خاصة أن وفاة الموقوفين حصلت بعد أقل من 24 ساعة من توقيفهم. والبيان الغامض الذي صدر عن قيادة الجيش حول الأمر زاد في الغموض والتشكيك، فهو اعتبر أن "مشاكل صحية مزمنة تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية" هي التي أدت لوفاة الموقوفين الأربعة، دون تقديم إيضاحات حول هذه المشاكل أو الأحوال المناخية، علما أن النازحين السوريين يعيشون في خيام في العراء تحت أشعة الشمس، وفي ظل أوضاع إنسانية وسيئة، فما هي الأحوال المناخية التي تؤدي لوفاة موقوفين؟

هذا الغموض دفع شريحة من اللبنانيين للتشكيك برواية الجيش اللبناني، والمطالبة بإجراء تحقيق مستقل يكشف الأسباب الحقيقية للوفاة. فالسيرة الذاتية للجيش في التعامل مع الموقوفين ليست ناصعة البياض ولامشرفة. وفي سجل الجيش العديد من الشهادات التي تكشف عن حصول انتهاكات واسعة يرتكبها أفراده بحق الموقوفين، أدت في بعض الحالات للوفاة تحت التعذيب. وقد أقرّ أحد كبار ضباط الجيش اللبناني في مقابلة مع قناة الجزيرة قبل أشهر؛ بارتكاب عناصره مخالفات وانتهاكات بحق موقوفين على خلفية أحداث منطقة عبرا بمدينة صيدا.

المطالبة بإجراء تحقيق في وفاة الموقوفين الأربعة لقيت في المقابل استهجانا وهجوما معاكسا من جانب فريق آخر من اللبنانيين؛ اعتبر أن الجيش خط أحمر، وأن الثقة بالجيش اللبناني مطلقة، وأن أي مطالبة بإجراء تحقيق إنما هو تشكيك بالمؤسسة العسكرية ونيل من معنويات أفرادها، وأن مطالبة الجيش بإجراء تحقيق في الوقت الذي يواجه فيه التنظيمات الإرهابية إنما هي مساعدة غير مباشرة تقدم لهذه التنظيمات وإضعاف لقدرات الجيش وتثبيطا لاندفاعته في مواجهة الإرهابيين. وصار كل من يطالب بإجراء تحقيق لجلاء الحقيقة متهم بالدعشنة والإرهاب، يستحق العقاب والاعتقال.

تنزيه الجيش اللبناني عن أي شائبة، والدفاع المستميت عنه سواء كان ظالما أو مظلوما، وعدم السماح حتى إجراء تحقيق، دفع البعض لطرح تساؤلات واسترجاع محطات كان يتم تجاهلها وغض الطرف عنها، حرصا على عدم نكء جراح الماضي.

يقول هذا البعض: لن نظلم الجيش اللبناني ونسترجع صفحات بعيدة من التاريخ، ونستذكر مشاركته في ارتكاب مجزرة تل الزعتر التي ذهب ضحيتها مئات الفلسطنيين عام 1976، كما أننا لن نسترجع ذكريات أليمة من الحرب الأهلية ومشاركة اللواء السادس في الجيش بحصار المخيمات الفلسطينية وتجويع أهلها وقتل أبنائها عام 1985. كما لن نظلم الجيش اللبناني على الكثير من الأخطاء والانتهاكات التي ارتكبها في ظل الوصاية السورية التي انتهت عام 2005. رغم كل ذلك لا يحق لنا مطالبة الجيش اللبناني بإجراء تحقيق، ونحن نعلم أن هذا الجيش هو جزء من النسيج اللبناني بصلاحه وفساده، بأمراضه ومساوئه وحسناته. فضباط وعناصر الجيش ليسوا ملائكة هبطوا على اللبنانيين من السماء، إنما هم إخوتهم وآباؤهم وأقرباؤهم وجيرانهم، وليس لأحد أن يمنحهم قدسية وبراءة ذمة مطلقة.

ألا يحق للبنانيين التشكيك بالجيش، وهم يدركون أن هذا الجيش جلس على مقاعد المتفرجين في أيار/ مايو 2008 حين استباح حزب الله وحلفاؤه من المليشيات المسلحة العاصمة بيروت فقتلوا وروّعوا واعتقلوا وأحرقوا ونهبوا، وكل ذلك تم تحت أنظار الجيش الذي لم يحرك ساكنا.

ألا يحق للبنانيين مطالبة الجيش بإجراء تحقيق وهم يشاهدون عبر وسائل التواصل الاجتماعي العديد من الصور والمقاطع المصورة لارتكاب عناصر من الجيش لإذلال وتعذيب الموقوفين، واستمعوا لشهادات مئات الموقوفين الذين رووا هول ما تعرضوا له في مراكز التحقيق؟

أليس من حق اللبنانيين التشكيك بالجيش؛ وهم يرون أنه لا يحرك ساكنا إزاء احتفاظ حزب الله بسلاحه ومشاركته أمام الملأ بمساندة النظام السوري، وانتقال مئات مقاتليه عبر الحدود التي يفترض بالجيش أن يكون حاميها وضابطها؟

هذه التساؤلات ليست انتقاصا من الجيش اللبناني، بل كشفا لأزمة ثقة تشعر بها شريحة من اللبنانيين تجاه جيشهم. والخوف هو أن تنتقل أزمة الثقة هذه إلى مليون ونصف المليون نازح سوري يعيشون على أرض لبنان، فيستغل طرف ثالث أزمة الثقة لإشعال فتنة ما زالت نائمة بين النازحين السوريين وبين الجيش اللبناني.