كتاب عربي 21

"كمال خليل".. الأسد الضاحك!

1300x600
وهل تضحك الأسود؟..

على اليوتيوب، شاهدت مقطعاً لأسد يضحك، لكن أسدنا "كمال خليل" لم يشارك هذا الأسد ضحكته المبتذلة، فهو يقود الهتاف ضد الاستبداد، وفي أكثر الظروف قسوة، بينما الابتسامة لم تفارق وجهه، كأنه طبعت على هذا الوجه، الذي أثقلته هموم الوطن فبدا شاحباً، لكنها نسيت أن تنال من ابتسامته!

يدور الزمن، ويخرج جيل من حلبة النضال، وتدخل أجيال، بينما "كمال خليل" هو الباقي، قد تأخذه سنة من نوم، كما حدث عقب الانقلاب العسكري، لكن سرعان ما يستيقظ، ليقود المتظاهرين، فيلهب حماسهم بهتافاته، التي هي من إبداعه الخاص، وإذا بالابتسامة كما هي لم ينل منها الدهر، وكأنها بشرى للوطنيين، ولتملأ الثوار حماسة، فلا يزال هناك أمل في غد أمل، وهذا الأمل معلقا في ابتسامة رجل دفع الثمن من عمره، وصحته، فلم يهن لما أصابه، وما كان أعناه عن كل هذا، لو أنه التفت لنفسه، وانشغل بها، لكن وكما قال القائل: "إذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام"!

"كمال خليل" فيه من رائحة النضال القديم، فهو ينتمي لجيل السبعينيات، الذي واجه السادات بكل جسارة، وإذا كانت مصر عرفت "الميوعة السياسية" في عهد مبارك، فاعتبر اليسار أنها الفرصة المواتية للعب القمار مع السلطة، فإن كمال خليل لم يكن من هؤلاء، وغيره سلم حزباً من بابه للأجهزة الأمنية، مقابل التعيين في المجالس النيابية، أو منحه صفقة كتب من وزارة الثقافة، أو وزارة التعليم، لطبعها في المطابع المنحة من الاتحاد السوفيتي سابقاً، والتي صارت ملكية خاصة لعدد من الزعماء!

شاهدنا كيف أن واحداً من أبطال سلاح الفرسان، ينتهي به المطاف إلى قبول تزوير انتخابات مجلس الشعب ليفوز بالعضوية، وهو السلاح الذي وقف يطالب بعودة الجيش إلى ثكناته، وعودة الحياة النيابية، بعد حركة الضباط الجيش في يوليو 1952، وينتهي به المطاف لاهثاً باسم "إبراهيم نافع" مرشح السلطة لموقع نقيب الصحفيين، وهو في طريقه إليها للإدلاء بصوته، غير مشغول بقيمته أو بكبر سنه، فكل ما يشغله أن تصل الرسالة بأنه لن يصوت لصالح المرشح المعارضة الناصري "جلال عارف"، وتقديراً منه لقيام مؤسسة "الأهرام" التي يترأسها "نافع" بنشر مذكراته "الآن أتكلم"!

وفي مناخ كهذا، فقد خرج كثيرون من دائرة السياسة، وانشغلوا بحياتهم ومصالحهم الخاصة، وبقي "كمال خليل" في مكانه لم يتزحزح، فلم يبع مع من باعوا، ولم يعتزل مع من اعتزلوا، وربما كانت خليته هى آخر خلية شيوعية، يعتقلها نظام مبارك، فقد حدث هذا في نهاية الثمانينات، عندما اعتقل زكي بدر وزير الداخلية: "كمال خليل"، و"محمد سيد سعيد"، و"مدحت الزاهد"، ونشرت صحيفة "الوفد" صورة لكمال خليل، وكيف أنهم عذبوه بالضرب بالسياط، التي ظهرت أثارها على ظهره، واهتز لذلك الضمير الوطني، وتم الإفراج عن خليل وإخوانه، واستمر في نضاله، وعندما بدأ الحراك السياسي في سنة 2004 وجد "كمال خليل" في انتظاره، ينحت الشعارات التي تلهب حناجر المتظاهرين ويصكها، وبدت قضية "الحرية" هى ما تشغله، "الحرية لكل الناس.. الحرية لشعب مصر"، كما كان يهتف!

يُعتقل الإخواني "خيرت الشاطر"، فيهتف "كمال خليل": "خيرت الشاطر يا أخانا.. كيف العتمة في الزنزانة.. كيف السجن والسجانة"، ويتم القبض على الليبرالي "أيمن نور" فيغير الاسم في الهتاف: "أيمن نور يا أخانا كيف العتمة في الزنزانة..."، وهكذا، فكمال خليل لم يكن مشغولاً بالانتماء السياسي لمن يهتف بأسمائهم، فقد كان "بلال الثورة" و"مؤذن الحرية"، وعندما يعتدي الأمن على النساء، فإن "كمال خليل" هو من يقود الهتاف: " مصر يا أم.. أولادك أهم.. دول يفدوكي بالروح والدم"!

وتقوم ثورة يناير، ويأتي للساحة "زعيط" و"معيط" و"نطاط الحيط"، وينزوي "كمال خليل"، فليس له في "المهرجانات"، التي تقوم بها الائتلافات التي تشكلت بهدف "الوجاهة الاجتماعية"، والتي دعمها المجلس العسكري، ليفرغ الثورة من محتواها، ويجعلها تبدو مسخرة لدى الناس، ولم يدع "كمال خليل" إلى لقاءات مع رئيس الدولة، ولم يعد أحد ينشغل بما كان قبل الثورة، فقد جرى استدعاء أعضاء لجنة السياسات، للقيام بدور الثوار، فيختار عصام شرف رئيساً للوزراء، وتتواطأ كل الأطراف في تقديمه على أنه رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير، "كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا".. وتم ضم عضو  لجنة جمال مبارك "جابر نصار" في اللجنة التأسيسية لإعداد دستور الثورة، وبعد أن غسل سمعته السياسية بهذا الضم، استقال، وانضم إلى جبهة الإنقاذ، وبح صوتي وأن أقول إنه ينتمي للثورة المضادة، لكن كل الفرقاء تواطأوا في إدخال الغش والتدليس على الناس!

ولم يكن "كمال خليل" عضواً في لجنة إعداد الدستور، كما لم أشاهده حاضراً في جبهة الإنقاذ، لكنه كان حاضراً على الأرض في المظاهرات التي انطلقت ضد الإخوان!

ما الذي أوغر صدره إلى هذا الحد؟!.. حقيقة لا أعرف، فلست مطمئناً تماماً إلى أن "كمال خليل" خشي على "هوية مصر"، أو انزعج من الأخونة، إلى غير هذه الأساطير، التي روجها البعض لتبرير الانحياز للثورة المضادة!

وبعد الانقلاب العسكري، كنت أتذكره فأحاول أن أعرف أين يقف؟، وفي مخيلتي صورتان له، كنا نجلس على نفس المقهى، "مقهى عم غزال"، وكل منا في نفس المكان، وفي يومين مختلفين، وكان بجانبه "محمود بدر" منسق "حركة تمرد"، الذي يتكلم، بينما يصمت له "خليل" ويعلق بكلمات قليلة، كان هذا قبل 30 يونيو؟!

هل قال له الفتى إنهم ينسقون مع المخابرات الحربية؟!.. وهل اعترف له بأنهم يتلقون تمويلاً من الإمارات، للإقدام على جريمة إسقاط خيار الناس؟!

في اعتقادي أنه لو اعترف له بدر بالأولى، فسيخفي عنه الثانية، وكثيرون لم يكن لديهم مشكلة في أي تحرك للجيش، في أي مرحلة من مراحل الثورة، غاية ما في الأمر أن الموقف من هذا التحرك محكوم بأين يصب، فالسيسي عند الإخوان هو وزير دفاع بنكهة الثورة، عندما ظنوا أن قوته العسكرية لصالحهم، والقوى الأخرى التي هتفت بسقوط العسكر، قاموا باستدعاء الجيش في وقت لاحق لتقوية موقفها في إسقاط الإخوان، وهي مواقف انتهازية، ليست معنية بقضية الديمقراطية، لأن المشكلة في أن مصر لا يوجد بها تيار ديمقراطي، دعك من كثيرين يصفون أنفسهم بأنهم ليبراليون، فهؤلاء يقعون في دائرة الاشتباه السياسي، وهم في الأصل "منتحلو صفة"، وقد تبين هذا بعد موقفهم المنحاز للانقلاب العسكري.

فاستدعاء القيم السياسية النبيلة يكون لخدمة المصالح والأطماع السياسية، بما فيه مبدأ رفض استباحة الدماء، فيتحدث البعض عن الدماء التي سالت في أحداث ماسبيرو، باعتبار أن المحرض لهذا الانزعاج هو مشاعرهم الإنسانية النبيلة، لكنهم يصمتون، أمام المجازر التي ارتكبها عبد الفتاح السيسي. والذين يعلون من قيمة الدماء استناداً إلى هذه المجازر، لم يهتز لهم رمش للدماء التي سالت منذ بداية الثورة، ولم يكونوا من المطالبين بمحاكمة الطرف الثالث، لأنهم لم يكونوا من الضحايا، ولم يمنعهم هذا من تقريب "اللهو الخفي" إليهم ويمنحوه الرتب الإضافية ويرقوه وزيراً!

ما علينا، فبعد بحث أمكنني التوصل إلى ما يكتبه "كمال خليل" فإذا به يا إلهي منحازا للحكم الجديد، وقرأت قصفا متبادلاً بينه وبين مجموعة شباب من الاشتراكيين الثوريين لم يلبسوا ثوريتهم بظلم، وقد اتهمهم بالتطرف والانحياز للإخوان، واتهموه بالتنكر لنضاله. والبعض ممن ركبهم عفريت الإخوان، خضعوا لغسيل دماغ من قبل الإعلام، فهل كان "كمال خليل" يحتاج لمعرفة الإخوان أن يشاهد توفيق عكاشة، وهو من كان مدافعاً عنهم ضد استبداد نظام مبارك؟!

لست ممن يستبعدون المنطلقات الشخصية في الخصومات السياسية وعلى مر التاريخ، والبعض يطالبك أن تكون أكثر من إنسان، في حين أنه لم يكن مجرد إنسان معك.. والإخوان بعد أن ظنوا أنهم لن يغلبوا بعد اليوم من قلة ومعهم الجماهير العريضة، والقوة المادية ممثلة في الجيش، تعاملوا مع الآخرين من قوى الثورة وفق نظرية "كيد الضرائر"، وقد وجدها هؤلاء فرصة ليرد عليهم بالمثل، عندما صور لهم الوهم، أن الجيش سيأخذ الحكم من الإخوان ويسلمه لهم. والحمد الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه.

لا أعرف ما الذي جعل "كمال خليل" يندفع مؤيداً سلطة العسكر، ما دامت جعلت من الإخوان هم خصمها، لدرجة أنه لم يعد يشغله وجود "خيرت الشاطر يا أخانا" في الزنزانة، ومعه الآلاف الذين يسجنون في ظروف بالغة السوء، وتمثل سجون مبارك بالنسبة لها فنادق خمس نجوم؟!

لقد كان وضعاً غريباً على مسيرة "كمال خليل"، الذي هو ابن الشعب، وابن الأرض الطيبة، ولا يوجد لديه رغبة في الصعود الطبقي، ولأن لكل جواد كبوة، فقد تمثلت كبوته في انحيازه لـ (30 يونيو) ولما أنتجته من أثار، لكن كان التفريط في التراب الوطني، بمثابة الصدمة الكهربائية التي أعادت لـ "خليل" ذاكرته الوطنية، ومنذ اللحظة الأولى كان في المظاهرات التي خرجت تندد بهذا العار، ويكشف في هتافاته المستهدف من هتاف "تحيا مصر" الذي يردده السيسي، فهو عندما يفعل تكون نيته منعقدة على التفريط في جزء من أرض الوطن، ومساحة التفريط هى بعدد مرات الهتاف!

ولأن عبد الفتاح السيسي، لديه مشكلة حقيقية مع كل معارض نزيه، فقد كان من الطبيعي أن يستشعر الخطر بنزول "كمال خليل"، إلى ساحة النضال السياسي ضده، فليس لديه ما يقدمه لوطني شريف، الأرض عنده خط أحمر!

اعتقال "كمال خليل" لن يرهبه، ولن يسكته، وإذا ظن حاكم، مغتصب للسلطة، أنه قادر على أن يخيفه، فإن هذا التصور هو أنتجته خلفيته العسكرية، ولو سأل لعلم أنه كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.

ربما يفتقد "كمال" من يهتفون له: "كمال خليل يا أخانا كيف العتمة في الزنزانة .. كيف السجن والسجانة".. 

لأنه سيلتقي بهم في سجنه.