قضايا وآراء

هكذا تتحرك الإمارات في تونس وهذا ما تعد للإطاحة بالتجربة الاستثناء

1300x600
بمجرّد أن بدأت أعراض الأزمة الخليجيّة تظهر في ساعاتها الأولى على المنطقة حتّى صارت متجاوزة للحدود برغبة من المنخرطين في محاور التصارع هناك والملتحقين بهم و المستهدفين بالاستقطاب أو بشيء آخر ضمن المحاور نفسها، أي أنّ الأزمة الخليجيّة ليست أزمة "تقاسم" و"تعايش" داخل الفضاء الخليجي بل أوسع من ذلك بكثير وأوسع حتّى من الفضاء العربي والإسلامي برمّته.

في اللحظة التي أعلن فيها عن "حصار" قطر، كان في المخيال العام العربي والإسلامي "حصار غزّة" هو التاريخ القريب لسلوك بهذا الحجم وكان الحصار المتذكّر مرتبطا بنصر للمقاومة والأزمة في الخليج اليوم في أحد عناوينها الكبرى "المقاومة الفلسطينيّة" من حيث الشكل والقيادة وآليات العمل في ظلّ تحديد انخرط فيها النظام الرسمي العربي لشروط تعايش متوهّم في فلسطين يعدّله محمد دحلان من الإمارات ومن أماكن أخرى.

منذ ثورة 17 ديسمبر، أصبحت لتونس مكانة في العالم العربي والعالم الإسلامي وحتما مكانة أخرى في المنتظم الأممي والمتوسّط وشمال إفريقيا وهي مكانة لا يبدو أنها تروق لكثيرين حتّى أن البلاد أصبحت مستهدفة بتصفية حسابات "محاور" صراعات تحدث خارجها على تراب تونسي تمكّنوا بشكل أو بآخر من ولوجه، ولكن السؤال الأهم الذي يطرح بقوّة منذ نهاية سنة 2012 إلى هذه اللحظة ما الذي تعدّه الإمارات لتونس ولماذا تبالغ في التخطيط للإطاحة بانتقالها الديمقراطي؟

كيف تعدّ الإمارات للإطاحة بالتجربة التونسيّة؟

في سنة 2011 عندما كان مانيفستو "الشعب يريد إسقاط النظام" يهزّ الجبال والرمال وأرجاء الوطن العربي، كانت النظم الرسميّة التي استعبدت شعوبها لسنوات تسعى للإطاحة بكلّ حلم ديمقراطي في المنطقة ليس لعدم أحقيّة الشعوب بل لأن ذلك مرتبطة بانتهاء وجود هذه الشوفينيات في الوطن العربي برمّته، يومها كان لابدّ من فرز بين من يسند الشعوب ومن يقف ضدّها فيجرفه الموج ومن خيّر السكوت والمراقبة.

يحمل المواطن العربي الحالم بالديمقراطيّة والحريّة في المنطقة لدولة قطر إعترافا لقناة "الجزيرة" أنها كانت عينا ولسانا ناطقا ضد النظم التي قامت ضدّها الثورات وهو إعتراف أضافت إليه قطر إحتراما آخر بالوقوف إلى جانب كل الثورات دون تردّد وخاصّة تونس التي لقي إنتقالها الديمقراطي دعما كبيرا من قطر التي أصبحت تمثّل ثاني شريك لتونس بعد الشريك الفرنسي التقليدي.

من هذه المنطلقات كان لزاما على الإمارات أن تعدّ لتونس عدّة خاصّة باستهدافها فـ"العقل" المفضوح للقصر هناك محمد دحلان بات خارج المشهد تماما في فلسطين وفي المنطقة بعد أن انتصرت الشعب وكانت القضيّة بين عينيه ولم يكن الأمر مجرّد تلميح أو تلويح بل أبعد من ذلك بكثير.

في الوقت الذي كان فيه العشرات من الباحثين والصحفيين والمئات من الطلاّب يأتون من كل العالم إلى تونس للتعرّف على خصوصياتها كانت الإمارات تشكّل "جبهتها" لا فقط في تونس بل في المنطقة برمّتها، حينها ضخّت أموالا طائلة لدعم أوّل محاولة لرفض نتائج الإنتخابات في 23 أكتوبر 2011 لتحاول تهميش المجلس وأدواره ومكانته ففشلت والتفتت إلى مصر أين نجحت في التخطيط والتنفيذ لإنقلاب عسكري دمويعادت لتستنسخه في تونس بمال سياسي قذر وهبات خياليّة لم تنجح في إخراج المسار التونسي عن المدنيّة بل أدخلته منطق التوافق الذي يزيده صلابة.

عندما فشلت الإمارات في الإطاحة بالتجربة التونسيّة تمويلا وهباة وتخطيطا تحوّل المشهد إلى ما يشبه الإنتقام فقد أعلنت الأخيرة قطع علاقاتها مع تونس بشكل خفيّ وذلك بمنع منح التأشيرات للتونسيين في أزمة كان سببها الرئيسي التوافق الذي أسقط كل مخططاتها بين زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي وزعيم نداء تونس الباجي قائد السبسي.

لم يقف الأمر عن الأزمة الديبلوماسية فحسب بل كانت التصريحات الصادرة عن قائد شرطة دبيّ ضاحي خلفان صريحة في إعلان أسباب العداء المطلق لتونس والذي كان سببه الرئيسي فشل حلفائه ومنفّذي أجنداتها في البلاد في تحقيق أهدافهم، وتطوّر الأمر ليبلغ درجة أخرى من الخطورة مع تسريب وثيقة من داخل مبنى السفارة الإماراتيّة في تونس مطلع العام الحالي تؤكّد طلب مسؤول سياسي بارز دعما لخدمة الأجندة الإماراتية في تونس وليبيا والثابت أن الأمر لن يتوقّف هناك.

أموال ضخمة، سيّارات مصفّحة، وعود بإعانات كبيرة واستثمارات بعض خياليّ وعلى وجه الخصوص وسائل إعلام وإعلاميون وسياسيون ونشطاء مدنيّون وآخرون جنّدتهم الإمارات في تونس منذ سنة 2012 ولا يزالون إلى اليوم يعملون جاهدين على الإطاحة بالتجربة ولكنّهم عاجزون. 

لماذا تريد الإمارات إفشال التجربة التونسيّة؟

لم يعد في إستهداف الإمارات للتجربة التونسيّة حدود في السنوات الأخيرة أو خطوط حمراء فالمسألة باتت بشكل فاضح "معركة وجود" لأسباب موضوعيّة كثيرة أولّها بالأساس أن الإمارات تملّكها الخوف منذ أن تجاوزت الثورة التونسيّة الحدود في إتجاه ليبيا ومصر وهو ما أرعب كثيرا من الحكّام في المنطقة وعلى رأسهم آل نهيان الذين لم يتردّدوا منذ البداية في تشويه الثورات ويتذكّر الرأي العام العربي كيف تبنّت تلفزات الإمارات الإخباريّة نفس سرديّة شيطنة المنتفضين بأقذر النعوت.

السبب الثاني والأهم بالنسبة للإمارات يتعلّق بعدائها الواضح والمفرط لـ"الإسلام السياسي" ولتيار الإخوان المسلمين خصوصا وكل الإسلاميين عموما وهم الذين تكفّلت الأموال الإماراتيّة الضخمة بتوظيف اللوبيات في كل مكان بما فيها الإعلام ومراكز الضغط والقرار في العالم لتصنيفهم "إرهابيين" بأي ثمن كان وقد نجحت في أن تقود ضدّهم إنقلابا عسكريا في مصر، ولكن فات الإمارات أن النهضة التونسيّة متأصّلة في هويّتها لذلك سهل إنخراطها في المجتمع وتفاعلها معه وتطوّرها بشكل سريع.

لسائل أن يسأل، ما الذي يمكن أن تخسره الإمارات إذا دعّمت الثورات والانتقال الديمقراطي في المنطقة العربيّة؟ وهو سؤال مركزي يهمّشه كثير من المتحدّثين، إنّها تخشى خسارة زعامة ما يسمّى بـ"حلف الإعتدال" في العالم الإسلامي و"الشريك الأمريكي الجديد" لأن نجاح إنتقال ديمقراطي في أي دولة عربيّة وتعايش الإسلاميين مع العلمانيين فيه يعني نهائيّا تزعّمه لهذا الحلف الذي فشلت الإمارات والأردن في صياغته شكلا ومضمونا.

الإنتقال الديمقراطي و تجربة إدارة التعددية بالحوار في تونس أصبح نموذجا يهدّد وجوديّا النظام الإماراتي لذلك كان ردّ الفعل قويّا وتمويلاته سخيّة وأهدافه شيطانيّة لكن مآلاته كانت صفريّة لا لأنّها منذ البداية فاشلة بل لأنّ تجنيد وتوظيف من نفرهم الرأي ومن ارتبطوا في المخيال بصفات سلبيّة في هذا المخطط الإماراتي زاد في نفوره الشعب لأدواره ومنفّذيها في البلاد.

الأزمة في الخليج و الصراع في تونس:

صراع كبير في تونس وعليها هذه الأيام بالتزامن مع التطوّرات الأخيرة في منطقة الخليج العربي خاصّة وأن كلا الطرفين في سياسة المحاور هناك يسعى لتحشيد شركائه وحلفائه والإستقواء بهم ولم تكن تونس إستثناء في هذه المسألة خاصّة وأن منطقة المغرب العربي برمّتها منطقة مهمّة للخليج العربي ويصعب أن تكون ديبلوماسيتها ضمن هذا الخط أو ذاك.

في تونس، هستيريا الإصطفاف على أشدّها ولم يكن غريبا أنها في المزاج العام الأغلبي تدعم قطر ولكن الغريب أن نخبا سياسية وإعلاميّة ومثقّفة إنخرطت في الدعوات لوضع تونس متخندقة وراء هذا المحور أو ذاك والحال أنهم يفترض أن يكونوا أكبر المدركين لحساسيّة الظرف الذي تمر به البلاد ولضرورة حفاظها على الحياد في هذا الصراع بالذات.

يدرك الجميع أن دولة مثل تونس في حجمها وظرفها الحاليين لا يمكن أن تكون ضمن هذا المحور أو ذاك في الأزمة الخليجيّة لأنّها في مرحلة إنتقالية لا تزال هشّة جدّا وخاصّة لأن من يريد إقحامها في هذا المحور أو ذاك يهدف إلى إرباكها أكثر وإلى جعلها "عجلة خامسة" في صراع يبدو أن مقدّماته المجهولة أكثر من المقدّمات المعلومة أو التي تم الكشف عنها إلى حد الآن، ولكن يكفي أن الشعب والمزاج العام مدك وعلى علم بطبيعة ما تحيكه الإمارات لتجربه حتى يكون حياد الديبلوماسية التونسية كفيلا بالحفاظ على تونس وعلى إنتقالها الديمقراطي السلمي.