قضايا وآراء

هل الديمقراطية حُكمُ العدد؟

1300x600
كثيرا ما يُساء فهمُ معنى الديمقراطية، أو تُسثمر سلبياً لترسيخ ممارسات بعيدة عن روحها  ومقاصدها. ولأن الديمقراطية ليست عملية حسابية، ولن تكون كذلك مهما أريد لها أن تكون أرقاماً جامدةً، فإن الحكمةَ تقول إن الديمقراطيةَ قيمة ومنهج، أي منظومةٌ من الأفكار والاختيارات الناظمة للسلوك والممارسة، وهي أيضا مجموعة من الآليات والوسائل  المساعدة على  بث هذه القيم والأفكار، كي تستقيم الممارسةُ وتكون ديمقراطيةً فعلا.  

الغرض من هذه الإشارة التأكيد على أن الديمقراطية وإن كانت تنبني في جوهرها على  إرادة الأغلبية، فإنها لن تكون ناجزةً أهدافها ومقاصدها  تأسيساً على منطق العدد  وحده، بل لابد أن تكون مؤطرة بثقافة البحث عن الأشكال التي من شأنها  تجنيب منطق العدد من أن  يُصبح  سيفاً مسلطاً على ما سواه من الآليات الكفيلة بتحويل منطق العدد أو الأغلبية العددية إلى وسيلة معضدة لقيم الديمقراطية لا نابذة لها. فلو نظرنا إلى كيف يتعامل الفاعلون الحزبيون، في أكثر من تجربة في مجالنا السياسي العربي، مع نتائج الإنتخابات عموماً، لخلصنا ، دون تردد، إلى أن منطق العدد هو المتحكم في تصريحاتهم، وممارستهم، وأن اللجوء إلى بدائل لا تُلغي منطق العدد، أي النتائج المحصل عليها،  ضعيف حتى لا نقول منعدما.

قد يقول قائل الديمقراطية هي تنفيذ إرادة الأغلبية، والامتثال لسُلطانها، أما سندُ ذلك فمرده أن حين يدلي الناخبون، بحرية وشفافية، بأصواتهم لصالح حزب أو كتلة أو جماعة، فهم يقومون واقعيا بتفويض سلطتهم الأصلية في إمتلاك السيادة، التي لا يمتلكها غيرهم، ويجعلون  الفائزين  بفضل تصويتهم الإيجابي عليهم، ممارسين للحكم بالنيابة عنهم، وبذلك يمدون أصحاب الأغلبية بالشرعية التي تؤهلهم وحدهم ، دون سواهم، لإدارة  وتدبير الشأن العام بإسمهم، ومن أجلهم. هذا كلام صحيح، ويبدو متماسكا و منطقيا، لكن حين نُمعن التفكير في روحه وجوهر أبعاده، نخلُص إلى أن الديمقراطية بهذا المعنى لا تعدو أن تكون شكلا بلا مضمون، لأن  مناطَ الديمقراطية يكمن في ما تستبطن من قيم ومُثل، وفي صدارتها قيمة الإعتراف بالآخر والتحاور معه، والبحث بمعيته عن المشترك النافع  للمجميع، أي المصلحة العامة. ومن قيمة الديمقراطية أيضا،  الإعتراف لغير الأغلبية، أي الأقلية أو المعارضة، بمساحة من الحرية للتعبير عن نفسها وإيصال مطالبها إلى الأغلبية، والدفاع عن حقها في  الإستمرار  فاعلاً في العملية السياسية، وهذا ما نلاحظه حقيقة في الديمقراطيات العريقة.لننظر مثلا إلى ممارسات بعض  تجارب بعض الدول ، وكيف لا تتقيد بمنطق العدد في بناء التحالفات والبحث عن المشترك. فعلى سبيل المقارنة كثيرا ما يعين "مجلس العموم" البريطاني مُتحدثَه Speaker، أي رئيسَه، من خارج أغلبيته العددية، بل  غالبا ما يكون من المعارضة، وهي ممارسة حميدة في التجربة البريطانية. ولنلاحظ ما يحدث الآن في فرنسا في ضوء الإقتراع الرئاسي لسابع مايو 2017، الذي قاد "إيمانويل ماكرون" إلى قصر الإلزيه، والنحالفات التي يتم الإعداد إليها في أفق الانتخابات التشريعية المنتظر تنظيمها في شهر يونيو القادم. إن الثقافة السياسية الديمقراطية تقضي بأن تكون الأغلبية والمعارضة معا شريكين في الحكم، كل من موقعه طبعا، وأن الديمقراطية نفسها لا تُؤمن سلطة سليمة ومتوازنة وفعالة بدون وجود أغلبية ومعارضة حقيقيتين ومتكاملتين بالتنافس البناء، والتدافع الإيجابي. لذلك، يُصبح منطق  الإقصاء باسم الأغلبية العددية آفة مُدمرة للعمل السياسي، والبناء الديمقراطي.

ثمة مظهر آخر لخطورة " حكم الأغلبية"، أو "حكم العدد"، وهو ما ظهر في الممارسة السياسية العربية مع سقوط العراق ربيع 2003، وما استتبعته من تغييرات سلبية عميقة، يتعلق الأمر بـ"سياسات الإحتثاث". فقد صدر قانون " اجتثاث البعث" في العراق، وحاولت دول عربية أخرى أن تنهج الطريق نفسه، في تونس، لولا رفض النواب لقانون العزل بفارق صوت واحد، و كذلك في ليبيا، وفي مصر التي مارست العزل والإقصاء دون إصدار قانون بشأنهما، و ربما قد تتكرر الظاهرة ذاتها لاحقا  في سوريا، واليمن، وما إلى ذلك من البلدان العربية، التي سيُهيمِن فيها منطق الغَلبة، ويستشري العنفُ والعنف المضاد في ربوعها.

نخلُص إذن إلى أن الديمقراطية ثقافة ومنهج، أي قيم وآليات، وأن العلاقة بين العنصرين تلازمية ومضطردة، ولا انفصال بينهما. فالآلية بدون وعاء ثقافي  يعطيها روحاً ومضمونا لا تُنتج ديمقراطية مهما كانت أهميتها وفعاليتها، لسبب جوهري هو أن الآلية  أو المنهج يحيل على الشكل والطريقة، في حين تُحيل الثقافة على الجوهر والمضمون، وكأي شكل مهما كانت قيمة يظل عبارة عن قوقعة فارغة إذا لم يكن له روح ومضمون.. روح الديمقراطية في النهاية هي أن يقدر الناس، أي المواطنون، على تدبير شؤونهم بقدر عال من العقلانية والسلم المدني، وأن يختلفوا دون أن يصل اختلافُهم إلى وقود لإشعال  الحروب المدنية. لذلك، يُعتبر  إفسال قيم الديمقراطية في مؤسسات الدولة وأنسجة المجتمعات، شرطاً واقفاً لتكريس الفكرة الديمقراطية، وتحويلها إلى عيش مشترك، وثقافة راجِحة، ودون ذلك ستبقى الديمقراطية مجرد شعار أجوف، وتكون الممارسة المترتبة عنها تضليلاً للواقع، ونكراناً له..

والحال أن من ينظر إلى خريطة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في بلداننا، سيخرط بنتيجة أساسية هي أنها في عمومها انتخابات بدون ديمقراطية، على حد تعبير صديقي الباحث التونسي اللامع "العربي الصديقي"، الذي أصدر كتابا باللغة الإنحليزية منذ سنوات يحمل العنوان نفسه: Elections without democracy.