كتاب عربي 21

التكفير يلتهم التونسيين داخل تنظيم الدولة

1300x600
احتلت مسألة التكفير موقعا محوريا في الصراع الذي دار بين المسلمين منذ اندلاع الفتنة الكبرى، وصولا إلى اللحظة الراهنة. 

هناك رغبة بقيت متوارثة لدى عدد من الحريصين على احتكار الحقيقة الدينية في إقصاء المخالفين لهم من دائرة الإيمان، خطوة أساسية من أجل محاربتهم وإلغائهم. 

وعلى الرغم من أن جزءا من الفرق الإسلامية عملت على إقامة هدنة أو تسوية فقهية وأصولية من أجل وضع حد لعمليات سفك الدماء، إلا أن بعض الجماعات الأقلية بقيت تصر على تغذية الحروب الدينية بحجة بطلان هذا النمط من التسويات التي من وجهة نظرهم تشكل تهديدا للإسلام ورسالته.

كشف الكتاب الذي أصدره مؤخرا الإعلامي والباحث التونسي هادي يحمد "كنت في الرقة: هارب من الدولة الإسلامية"، أن الشباب التونسي الذي توجه بكثافة وخلسة نحو بؤر التوتر وفي مقدمتها سوريا، يجد نفسه اليوم عرضة لمحنة أكثر قسوة من مغامرته تلك. 

بدا لهؤلاء الشباب عندما كانوا في تونس أن الطريق إلى الله واضح وبسيط، وأفهمه الدعاة الذين قدموا من الشرق والجزيرة العربية أن الجهاد هو السبيل الأكيد لإثبات الدين وإقامة العدل. 

كان هؤلاء الشباب يتلقون دروسا تحريضية تتضمن بعض المفاهيم المتعلقة بقواعد الإيمان والكفر، لكنهم لم يدركوا أهمية هذه المفاهيم وخطورتها، إلا بعد أن خاضوا المغامرة، ووجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام المآزق النظرية والعملية لإشكالية التكفير.

في البداية، قيل لهم بأن الأنظمة والحكومات كافرة لكونها تخلت عن الشريعة، وأصبحت تحكم بغير ما أنزل الله. 

وهي فكرة رغم كونها مبنية على فرضيات خاطئة، إلا أنها بدت واضحة للشباب المغامر. 

كما أنه تم إقناعهم بأن الجيش والشرطة هما أداة حماية هذه الأنظمة الكافرة، ولهذا فإن محاربتهما واجبة بحجة أنهما جزء لا يتجزأ من "الطاغوت".

كل ذلك تم التسليم به من قبل هؤلاء الشباب، لكن المسألة أخذت تتعقد عندما بدأ الاختلاف يستشري في صفوفهم حول الموقف العقائدي والأصولي، ممن يسمونهم بالعوام، وهم سكان المدن والقرى التي سيطر على أراضيهم "تنظيم الدولة"، هل يكفرون أم يعطى لهم الأمان، رغم عدم استعدادهم للمشاركة في القتال والدفاع عن مشروع هذه الدولة؟

الرأي الرسمي والسائد داخل صفوف قادة "الدولة" هو ألا يكفر هؤلاء، وقد يعود ذلك إلى اعتبارات سياسية تخص مصالح التنظيم ورغبته في عدم إقصاء السكان وتهجيرهم، والعمل على استقطابهم أو تحييدهم في المعركة المسلحة ضد أنظمة الحكم. 

لكن هناك من داخل "الدولة" من له رأي مخالف. 

يذكر الشاب التونسي الذي استعرض تجربته داخل "الرقة" أنه اكتشف وجود من يكفر الدولة من داخلها، وتبين له أن "في الدولة الإسلامية يوجد تكفير متبادل بين تيارين: البنعلية نسبة إلى شرعي الدولة الأول البحريني تركي البنعلي، وشيخ آخر سعودي له أتباع في الدولة هو أحمد بن عمر الحازمي، ويطلق على أتباعه الحازمية، وتعتبرهم الدولة من الخوارج الذين يستحل دمعهم".

أدرك عدد هام من الشباب التونسي أنهم أقرب إلى التيار الثاني لكونهم تلقوا دروسا على شيوخ هذا التيار الذي سارعوا إلى زيارة تونس بعد الثورة، وأثروا في التوجيه العقائدي للمجموعات الأولى للسلفية الجهادية. 

لهذا السبب بالذات، سجن عديد التونسيين بتهمة الغلو، وتم قتل البعض ممن قاتلوا في صفوف التنظيم ومنهم من تحمل مسؤوليات قيادية في "الدولة".

هكذا تورط الكثير منهم في مغامرة بدأت بهروبهم من بلادهم وانفصالهم عن أسرهم، وانتهت بتصفيتهم من قبل الماسكين بخيوط الحلم الذي ضحوا من أجله. 

حتى صاحب الشهادة التي استعرضها الزميل التونسي في كتابه، انتهى به التسلسل في مستويات التكفير إلى الشك في كل شيء حتى طرح على نفسه السؤال التالي: "هل أن أمير المؤمنين أبا بكر البغدادي نفسه منحرف ضال لأنه أمير على دولة تعذر بالجهل؟". 

وأضاف " هذا المنطق الحجاجي سوف يخرج الجميع من الإسلام ".

أذكر أني كنت في حوار تلفزيوني مع أحد شباب السلفية الجهادية في تونس، وكان متحمسا وخطيبا، ويتمتع بقدرة أيديولوجية واضحة. 

كان يدافع بشراسة عن الدعوة للقتال في سوريا. وحاولت أن أكبح جماحه، وأن أحذره من مغبة توريط التونسيين في المأزق السوري، ومما قلت له يومها إنكم ستقتلون وتقتلون، وإنكم ستخوضون حروبا بالوكالة، وإنكم في نهاية الطريق ستختلفون كتونسيين، وسترفعون السلاح في وجوه بعضكم، وستتبادلون التهم والتكفير، وستتقاتلون من أجل أوهام ستسكنكم وستخلف لكم مآس لا تقبل النسيان أو العلاج.

مر على ذلك الحوار ثلاث سنوات، كانت كافية لتجعلهم يعيشون الفتنة بكل هولها ومرارتها. 

المعضلة أن المأساة مستمرة، وأن الاندفاع نحو المحرقة لا يزال قويا رغم حجم الخسائر.