قضايا وآراء

المغرب.. إلى أين؟

محمد مالكي
1300x600
1300x600
الصورةُ الشائعةُ عن المغرب خارج رُبوعِه أنه بلدٌ مستقرٌ، آمنُ، ومتطلعُ إلى المستقبل بمشاريعه وطموحاته، وأنه قياسا للكثير من البلاد في محيطه الإقليمي العربي تمكّن من التكيّف مع سياق الحراك العربي وأنجزَ الإصلاحات الضرورية والمطلوبة باقتدار وسلاسة، والواقع أنها صورةٌ سليمةٌ وصحيحةُ إلى حدّ بعيد. غير ان هذا كله لم يُقنع ولن يُقنعَ المتابعين لتفاعلات المشهد السياسي المغربي بالحكم على أن البلادَ تجاوزت مرحلةَ إرساء أسس الديمقراطية، وأنها، بحسب نظريات الانتقال الديمقراطي، دخلت مرحلةَ " التوطيد الديمقراطي"Consolidation démocratique ، والحال أنها ما زالت لم تستنفذ بعدُ مَهامَ البناءِ الديمقراطي، الذي من أهم أولوياته التوافق على وضع الإطار العام اللازِم  لاستقرار الممارسة الديمقراطية وانتظامها، والتزام الفاعلين السياسيين بها، وعدم خذلانها، أو التنكر لها والانقلاب عليها. 

يستمد سؤالُ هذا العمود قيمته من طبيعة التفاعلات التي يعيشُ المغربُ على إيقاعها منذ أكثر من ثلاثةِ أشهر، والتي لا تظهر على وجه اليقين أنها سائرةُ  على طريق الحل، بما يُعزز تراكمات البناء الديمقراطي التي دشنها المغرب منذ أكثر من عقد من الزمن، والخوف كل الخوف أن تُشكل نكوصاً وتراجعاً إلى الوراء. لذلك، فالتساؤل إلى أين يسير المغرب، يعني إلى أين ستتوقف هذه التفاعلات التي واكبت تشكيل الحكومة المنبثقة عن نتائج اقتراع مجلس النواب في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، التي تصدر ترتيبها " حزب العدالة والتنمية" بأغلبية 125 مقعدا من 395 ، هو العدد الإجمالي لأعضاء الغرفة الأولى للبرلمان المغربي.

لعل أول أساس دستوري لتشكيل الحكومة ما نص عليه صراحة الفصل السابع والأربعون )47( من دستور 2011، حين أقر بحق الحزب المتصَدِّر لنتائج الانتخابات تولي تشكيل الحكومة، وهذا ما قام بتنفيذه العاهلُ المغربي بعد خمسة أيام من الإعلان عن النتائج ، حين عين  زعيمَ حزب العدالة والتنمية رئيساً مكلفا بإجراء المشاورات من أجل تشكيل الحكومة الجديدة. يُذكر أن الحملة الانتخابية التي واكبت تنظيم اقتراع 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2016 أتسمت، من ضمن ما أتسمت به، بالتركيز على الأشخاص، وتبادل الإتهامات،  واعتماد لغة التشخيص والتجريح أكثر من إبراز البرامج والدفاع عن السياسات المُنتظرِ صياغتها وتنفيذها عند الظفر بالأغلبية. 

من مظاهر ارتباك الممارسة السياسية في المغرب أن الأساس الدستوري المشار إليه أعلاه لم يجد الثقافة السياسية التي تُسعفه في إنتاج مفعوله المباشر، أي تكوين الائتلاف الحكومي، والشروع في تشغيل المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها " مجلس النواب المنتخب"، والحكومة المطلوب تشكيلها، بل أفضى إلى تأخر فاق ثلاثة أشهر، ولا يُعرف على وجه اليقين كيف ستكون النهاية.فإلى أين يسير المغرب مرة أخرى؟.

لنبدأ بالخطوة الأولى من مشاورات رئيس الحكومة المكلف، وما آلت إليه. فبعد جولة استكشافية شملت مجمل الأحزاب السياسية، ولاسيما المتقدمة منها في نتائج الاقتراع، تبين أن ثمة توافقات أولية حول تكوين حكومة ائتلافية قريبة من حكومة الكتلة الديمقراطية السابقة (1998 ـ 2002)، أي أحزاب الاستقلال ، والإتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية طبعا، ليطفخ على السطح بعد ذلك توجيه مفادُه " مراعاة شروط التجانس بين أطراف التحالف، ووضح البرنامج، وفعالية الإنجاز في أية حكومة مرتقبة، وقد عبّر عن هذا البُعد، وصاغ مضمونه الخطاب الملكي الموجه من مدينة دكار السنغالية ، بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء (06 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016). 

أعقبت الخطوة الأولى أخرى أكثر تعقيداً، بدا خلالها أن إشراك حزب" التجمع الوطني للأحرار" ـ الذي كان قد غيّر أمينه العام بشخصية سياسية جديدة مغمورة في عالم  العمل السياسي ـ  مُعطى إلزامياً لأسباب لم تكن واضحة بما يكفي، بل إن تطور المعطيات التي واكبت هذه المرحلة، وما زالت مُتحكِّمة في مساعي تشكيل الحكومة حتى الآن، منحت هذا الحزب  ) التجمع الوطني للأحرار( مكانة أكثر من حجمه، وقدمته وكأنه محور الحكومة المرتقبة، لا  طرف من أطرافها، علما أنه الحزب الرابع في ترتيب نتائج اقتراع 07 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، ولا يتعدى عدد مقاعده 37 مقعدا  من أصل 395.  ثم إن من أخطر ما في تعقيد هذه المرحلة ، وربما عبثيتها، أن حزب " التجمع الوطني للأحرار"، لم يفرض نفسه محور المشاورات في تشكيل الحكومة بعد أن ضغط من أجل إخراج " حزب الاستقلال" من تكوين الحكومة ، بل ألزم رئيسها المكلف بقبول  حليفيه السابقين (الحركة الشعبية والإتحاد الدستوري)، قبل أن يُصدر بياناً موقعا من  تحالفه الثلاثي، إضافة إلى حزب " الإتحاد الاشتراكي"، وهو ما أعاد مشاورات تشكيل الحكومة إلى المربع الأول. 

الخلاصة في كل ما حصل خلال الثلاثة أشهر المنصرمة من عملية البحث عن تكوين الائتلاف الحكومي المطلوب دستوريا لتنصيب الحكومة أولا، والشروع في أداء مهامها، أن ثمة تجاذباً بين إرادتين متناقضتين: إرادة احترام روح الدستور والاختيار الديمقراطي للمغرب، الذي جعل منه دستور 2011 ثابتا وطنيا من ثوابت البلاد، وإرادة التردد في القطع مع الممارسات السياسية القديمة والاندفاع غير المشروط في استكمال البناء الديمقراطي وترسيخ ثقافته في الممارسة. 

ليس للمغرب سوى أن يسير في اتجاه استكمال البناء الديمقراطي وتوطيده، وأية خطوة إلى الوراء  ستكون كلفتها السياسية والاجتماعية غالية جداً.. ليس لدينا خياراً آخر سوى الخروج من المنطقة الرمادية إلى أخرى أكثر وضوحاً واستقراراً وإنصاتاً  لنبض المجتمع.
التعليقات (0)