قضايا وآراء

تونس: الديمقرطية العرجاء

محمد خليل برعومي
1300x600
1300x600
تعيش تونس هذه الأيام على وقع مناقشة قانون المالية، الذي أثار جدلا واسعا في الساحة السياسية والاجتماعية بسبب ما اعتبرته عديد الجهات إخلالا في توازن صلب هذا المشروع وإثقاله لكاهل المواطن.

غضب في صفوف المحامين والأطباء ورفض من قبل اتحاد الشغل في مقابل عجز حكومي في الدفاع والإقناع بمشروع القانون.

في نفس الأسبوع احتفلت تونس بانتخاب مجلس أعلى للقضاء مثّل لحظة فارقة في تحقيق استقلالية هذا القطاع الحيوي الذي يمثّل عصب دولة الحريات والعدالة.

هذه تونس منذ الثورة، بقدر ما كانت تتقدم خطوات في إنجاح الانتقال الديمقراطي، عبر تحقيق عديد المكتسبات السياسية كالتداول السلمي على السلطة، دستور الجديد، انتخابات شفافة مع هيئات مستقلة، وأخيرا انتخاب المجلس الأعلى للقضاء، إلا أن المسألة الاقتصادية لم تواكب هذه النجاحات السياسية. أكثر من خمس سنوات مرت، شغل الشأن السياسي فيها الحيز الأكبر على حساب المسألة الاقتصادية والاجتماعية اللتين كانتا أهم محركات الاحتجاج والثورة.

أحيانا كان ذلك ضروريا وأحيانا كثيرة لم يختلف المشهد عن صراع الديكة.

يتطلب النهوض بالواقع الاقتصادي دولة قوية برؤية واضحة للإصلاح يقدم الجميع من أجلها التضحيات، وخاصة أصحاب المؤسسات واتحاد الشغل.

لقد اثر سلبا غياب الرؤية الإصلاحية على الصعيد الاقتصادي والتنموي على مرّ الحكومات المتعاقبة، كما ان تضخم عدد الإضرابات وغلق الطرقات وتعطيل مصالح المؤسسات زاد الطين بلة.

من الطبيعي ان تعاني الدولة نوعا من الهشاشة وعدم الاستقرار إبان الثورة، فهي ترمّم مؤسساتها وهياكلها وتؤسس لمنظومة علائقية جديدة مع المجتمع والأفراد.

هذا الضعف في فترة ما، فسح المجال أمام تقدم دور المجتمع المدني الذي ساهم في أوقات كثيرة في تحقيق التوازن وسدّ الشغور، ولكن من الملاحظ أيضا ان بعض هياكل هذا الفضاء استطاعت ان تبني عصبيات قوية تفوق أحيانا عصبية الدولة، وهذا منذر بالخطر.

ان الدور التعديلي للمجتمع لا يجب ان يتحول إلى حالة من التمرد، وهو ما يفرض على الحكومة حسن ضبط العلاقات والحدود خاصة بين رأس المال والشغيلة. ولا يكون ذلك الا بحكومة محايدة وغير منحازة سوى لمشاريع وطنية تحقق العدالة والتنمية والاستثمار، تشجع الرأسمال الوطني من ناحية وتحسّن ظروف العامل من ناحية اخرى.

آن الأوان للدولة التونسية ان تراجع خياراتها الاقتصادية وتقوم بالإصلاحات اللازمة، إذ لم يعد من المقبول ان تحتكر الدولة جل القطاعات رغم عجزها عن تسييرها ناهيك عن تطويرها.. مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة المهملة، قطاع خدماتي تقليدي رديء، قطاع صناعي لا يواكب عصره في مقابل وظيفة عمومية مثقلة بالطاقات المعطلة وغير المنتجة الى جانب آلاف الشباب العاطل عن العمل.

كما يشمل الاصلاح الاقتصادي كافة التشريعات والسياسات التي تسهم في تحرير الاقتصاد الوطني وانتعاشه بما يتوائم ويتكامل مع السوق الاقليمية والعالمية.

يمثل مؤتمر الاستثمار المزمع عقده في شهر نوفمبر فرصة جدية لإنعاش الوضع الإقتصادي وبناء علاقات شراكة إستراتيجية مع عديد الدول والمؤسسات، مما يحمّل الحكومة مسؤولية حسن تنظيم هذه المحطة والتسويق الجيد لتونس وامكاناتها.
0
التعليقات (0)