مقالات مختارة

ويسمونها مناظرة!

منار الشوربجي
1300x600
1300x600
المناظرة الأولى بين مرشحي الرئاسة الأمريكية دلالتها الأكثر أهمية كانت في ما حدث خارج قاعتها وما لم يحدث خلالها، فالمناظرة كانت خالية الوفاض من أي نقاش حقيقي حول القضايا، التي تم التطرق إليها، وانطوت على تجاهل لافت للقضايا الجوهرية في السياسة الخارجية والداخلية، فضلا عن أن ما جرى خارج القاعة لم يكن أقل دلالة.

ولنبدأ بما كان يدور خارج القاعة، فاللجنة المعنية بتنظيم المناظرات وضعت سقفا مرتفعا لإدراج مرشحي الرئاسة للاشتراك في المناظرات، فالسقف كان الحصول على 15% من أصوات الناخبين في طول البلاد وعرضها في استطلاعين للرأي.

والنسبة بالطبع كبيرة بالنسبة لمرشح لا يمتلك الآلة الضخمة للحزبين الكبيرين، الديمقراطي والجمهوري، القادرة على التمويل والتنظيم والدعاية، فضلا عن الأموال الهائلة المطلوبة من المرشح غير المنتمي لأحد الحزبين الكبيرين من أجل الدعاية الإعلامية حتى يعرفه الناخبون أصلا، ثم إن اختيار اللجنة لاستطلاعات بعينها ليس بريئا بالقطع، لذلك كانت مرشحة حزب الخضر للرئاسة جيل ستين موجودة هي ومؤيدوها، وأغلبهم من الشباب، في خارج القاعة، احتجاجا على عدم إدراجها مرشحة ضمن من تتم المناظرة بينهم، لكن الشرطة الأمريكية أغلقت كل الشوارع المؤدية للحرم الجامعي الذي انعقدت فيه المناظرة، ووقف المتظاهرون في المكان المسموح به، فجرت المناظرة على مسافة بعيدة إلى حد كبير عما يدور بشوارع المدينة، لكن المناظرة كانت بعيدة أيضا عن الكثير مما يدور في أذهان الأمريكيين، فحتى القضايا التي ذكرت مثل الحرب ضد داعش، لم نفهم بخصوصها شيئا عن مواقف المرشَحين سوى أنهما مع تلك الحرب! 

وفي الجزء الخاص بالأمن القومي الأمريكي، غابت أغلب القضايا الدولية المهمة، فقد كان لافتا ألا يسأل المحاور ترامب عن تصريحاته بشأن إمكانية استخدام السلاح النووي، ولافتا بالقدر نفسه أنه لم يوجه لكلينتون سؤالا واحدا عن دورها في أمريكا اللاتينية، كونها وزيرة للخارجية، أو حتى عن تبنيها لفكرة التركيز على آسيا، المسؤولة اليوم عن الصراع في بحر الصين، وبالطبع لم تأت المناظرة على ذكر حجم المساعدات العسكرية غير المسبوق لإسرائيل.

وقد سألتني واحدة من طالباتي النابهات، كيف يمكن أن يكون العالم كله مشغولا بقضية اللاجئين هربا من ويلات الحروب والفقر، ولا يتم مناقشة تلك القضية المهمة بين المتناظرين الساعين للفوز بمنصب الرئيس في الولايات المتحدة؟! فقلت لها، لا تقلقي سوف تتم مناقشة تلك القضية تحت مسمى «الهجرة»، وستسمعين كلاما كثيرا عن حيطان لا بد أن تبنى، ومهاجرين يتحتم حظر دخولهم!

أما القضية الأولى لدى الأمريكيين وهي الاقتصاد، فلم تتم خلال المناظرة طبعا مناقشة الفجوة الهائلة في الدخل بين الأغنياء والفقراء في الولايات المتحدة. فتلك قضية لن يناقشها ترامب الملياردير، ولن تناقشها كلينتون التي لا تقل ثراء، بل ومدينة بتمويل حملتها الانتخابية لنخبة من أهم الأثرياء الأمريكيين. واللافت للانتباه أن تجاهل القضية في المناظرة جرى بينما ويلز فارجو، أحد أهم البنوك الأمريكية، مثل أمام القضاء في جريمة نصب على المواطنين الأمريكيين!

وفي الوقت الذي انعقدت فيه المناظرة عشية مقتل عدد من السود على يد رجال الشرطة، غابت قضية عدم عدالة النظام القضائي الجنائي الأمريكي تماما عن المناظرة، وحل محلها اتهامات متبادلة بالعنصرية، وعبارات سطحية من كلا المرشحين حول ضرورة «التعاون بين المجتمع والشرطة».

غير أن اللافت للانتباه حقا أن كل القضايا التي تهم شباب أمريكا من مختلف العرقيات والإثنيات، ومنها ما سبق، فضلا عن قضية الديون الباهظة، التي يئن منها الشباب مقابل تعليمهم، وتظل تقصم ظهورهم لفترة في مقتبل حياتهم المهنية لم يذكرها المحاور، ولم يتطرق لها أي المرشحين. وقضية البطالة تظل هي الأخرى من القضايا المهمة لأولئك الشباب، التي لم تهتم بها المناظرة التي تجاهلت في الوقت ذاته قضيتي الرعاية الصحية والبيئة والاحتباس الحراري.

والمفارقة هنا بالغة الدلالة، فهؤلاء الشباب الذين يشكلون، حسب النيويورك تايمز، نحو 75 مليون أمريكي، هم القوة الحقيقة وراء أغلب الحركات الاجتماعية الموجودة اليوم في الولايات المتحدة وهم، في أغلبهم، من الرافضين لترامب، لكن رغم ذلك، فإن هيلاري كلينتون منذ رشحت نفسها في 2008 لديها مشكلة حقيقية مع ذلك الجيل ذكورا وإناثا، بالمناسبة، وهي لم تفلح أبدا في التواصل معهم.

المفارقة إذا هي أن هذا الجيل الذي كان مع ساندرز ثم وقف بعض رموزه خارج قاعة المناظرات مع المرشحة جيل ستين، وينوي بعضه الآخر الامتناع عن التصويت كلية، احتجاجا على الوضع السياسي عموما، كان بعيدا تماما عن أذهان من نظموا المناظرة وعن إجابات المرشحَين اللذين تبارزا فيها، بل وعن أسئلة المحاور، الذي لم يتطرق لقضاياهم، رغم أن موقفهم يوم الاقتراع العام قد يحسم المعركة سواء أعطوا أصواتهم لمرشح من غير الحزبين أو امتنعوا عن التصويت!

البيان الإماراتية
1
التعليقات (1)
محمد الدمرداش
الأربعاء، 05-10-2016 01:24 م
الكراسي الموسيقية في الإدارات الأمريكية ................ يجب أن يستقر في أذهاننا أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة مؤسسات يحكمها عائلات المليارات و هذه الدولة مدينة بتريليونات و جميع حكامها و مواطنيها لا يعنيهم إلا شأنهم الخاص و لا يهتمون بالشئون الطاحنة للعالم الخارجي و هذا يظهر بوضوح في أي استطلاع للمعرفة عن العالم الخارجي للمواطن الأمريكي العادي كما أن تداول سلطة الإدارة في هذا البلد تشبه لعبة الكراسي الموسيقية و الفائز فيها على فترات متناوبة طالت أم قصرت يكون لأحد الحزبين الكبيرين الديمقراطي و الجمهوري " الفيل و الحمار " و المشكلين في جورهما من أصحاب المال و الأعمال الأمريكيين الذين يملكون الدعاية و الأعلام المؤثران في أتجاه الرأي العام لفترة الاقتراع في حين أن أصحاب الاتجاهات المخالفة لهم مكبلة بعجز مالي و بالتالي لن يكون لهم مساحة تأثير أو استقطاب للرأي العالم " لا يوجد في العالم كله ما يسمي نظام ديمقراطي يتاح فيه للجميع التعبير عن آرائهم و تداول حقوقهم في بلادهم و أن جميع الديمقراطيات شكليه خلف ستارها قوة مهيمنة تدير الشعوب كمصارع الثيران في حلبته و الفرق بين ديمقراطية وأخرى مدى أتساع حلبة المصارعة فكلما كانت الحلبة واسعة كلما كان احتمال اصطدام الثور بالجدران و المصارع أقل و إذ كان الحلبة ضيقة نسبياً رأينا الثور يصطدم بالجدران أو يلتحم مع المصارع "