كتاب عربي 21

انتخابات المغرب.. في انتظار "بديل"

طارق أوشن
1300x600
1300x600
عندما حاز حزب الأصالة والمعاصرة المغربي رتبة الصدارة في الانتخابات المحلية لسنة 2009، اُتهمت الإدارة بالتزوير لفائدته واُتهم بعض "قادته" بترهيب المسؤولين المحليين ودفعهم لدعم لوائح الحزب دون غيرها.

وطوال السنوات التي تلت ذلك التاريخ لم يسلم الحزب من سهام منتقديه وعلى رأسهم حزب العدالة والتنمية، خصوصا بعد الهبة الربانية التي شكلها "الربيع العربي" الذي رفع في "نسخته المغربية" شعارات "ارحل" في وجه عدد من مؤسسي وقيادي الحزب.

ولم يزد تولي السيد عبد الاله بنكيران سدة رئاسة الوزراء إلا اشتعالا حيث تبادل الطرفان الاتهامات التي وصلت في المراحل الأخيرة حد اتهام حزب البام بأنه "حزب مافيوزي" وبأنه يصرف على حملته الانتخابية من أموال المخدرات.

لكن الواضح أن الحزب "الإداري" نجح في تقديم "مشروع" متقاطب مع "المشروع الإسلامي"، تماما كما قدمه السيد فؤاد عالي الهمة خلال استضافته مباشرة بعد انتهاء انتخابات 2007 البرلمانية، وفوزه بالمقاعد الثلاثة المخصصة لمسقط رأسه، دون أي مبرر أو مسوغ سياسيين يمنحان لائحة "مستقلة" عن الأحزاب فرصة حيازة مساحة زمنية على القناة الثانية دون غيرها من بقية المنافسين. وقتها تبين أن مشروع "حزب الدولة" انطلق.

مرت كثير من المياه تحت جسر السياسة والعملية الانتخابية بالمغرب حيث صار رئيس الوزراء مشرفا مباشرا عليها، لكن حزب الأصالة والمعاصرة ظل محافظا على مرتبة الصدارة في كل الاستحقاقات الانتخابية، وكان آخرها الانتخابات المهنية متبوعا بحزب الاستقلال في وقت حل فيه حزب العدالة والتنمية سادسا. حينها، لم يكن من تبرير للنتيجة غير "خصوصية" هذه الانتخابات الفئوية وعدم تعبيرها عن "إرادة الناخبين المغاربة". قبلها، سجلت جميع الانتخابات الجزئية لملء الشغور البرلماني فوز الأحزاب خارج الائتلاف الحكومي.

هذه المعطيات كلها جعلت من الانتخابات الجماعية الأخيرة محطة هامة ونقطة مفصلية للصراع الايديولوجي بين القطبين (البيجيدي والبام) ومن يدور في فلكهما اختيارا أو ضرورة مرحلة، وهو ما بدا واضحا في التجمعات الخطابية التي وبعد أن أحس قياديو حزب المصباح أنهم في الطريق لتحقيق نتائج "غير مسبوقة" نزلوا بكل الثقل لحث الناخبين، ليس للتصويت على الحزب، بل للامتناع عن التصويت لحزب "الجرار" ومنح الصوت الانتخابي لأي منافس آخر يتوسمون فيه النزاهة. والهدف دحر حزب الأصالة والمعاصرة ومنعه من تصدر المشهد الحزبي بما يمثله ذلك من "ترقيع" لعذريته السياسية وتأكيد لـ"شرعيته الانتخابية".

والآن، وبعد أن ظهرت النتائج النهائية وحصدت النملة ما زرعت وندب الصرصار حظه على ما ضيعه في اللهو والسخرية، على حسب تعبير رئيس الحكومة المغربية، لنقرأ النتائج بما أمكن من "موضوعية".
الأصالة والمعاصرة أولا دون تراجع، والاستقلال ثانيا مع تراجع ، والعدالة والتنمية ثالثا بتقدم كبير، والبقية موزعة على التنظيمات السياسية الأخرى. هكذا تقول أرقام وزارة الداخلية التي أضافت نسبة مشاركة ثابتة تقريبا مقارنة مع آخر انتخابات بلدية سنة 2009.

لعبة الأرقام يتقنها رؤساء ومنسوبو الأحزاب. هكذا رأينا كيف نحا كل حزب إلى قراءة النتائج حسب هواه. الأصالة والمعاصرة أصر على ترتيب وزارة الداخلية المعتمد على عدد المستشارين الجماعيين، والعدالة والتنمية أخرج ورقة عدد المصوتين التي تبوأ فيها الصدارة بما يقارب مليون ونصف المليون. وبين القراءتين تضيع مجموعة من التفاصيل.

في قراءة النتائج المعلنة من هذا الجانب أو ذاك يحضر معطى أساسي وهام يتمثل في أن الفرق كلها نحت منحى إعلان "النصر" اعتمادا على مقارنة نتائج 2015 بتلك المسجلة في 2009 دون أي استحضار للمتغيرات التي طرأت طوال الفترة الفاصلة بين الاستحقاقين.

لنأخذ مثالا حزب العدالة والتنمية باعتباره يقدم كأكبر فائز في اقتراع الرابع من سبتمبر الجاري. فالأرقام تشير  إلى أن الحزب ضاعف عدد مستشاريه ثلاثا إلى أربع مرات. لكن الذي لا يشير إليه أنصار الحزب أن تنظيمهم السياسي ضاعف أيضا عدد مرشحيه مرتين(أكثر من 1600 مرشح) حيث استطاع تغطية معظم الدوائر بل تمكن من تغطية الدوائر الجهوية بنسبة مئة بالمئة حيث خرج لأول مرة من التوافقات القبلية مع السلطة لتحجيم حجم مشاركته كما كان الأمر في السابق. في انتخابات 2009 استطاع الحزب نفسه مضاعفة المقاعد المحصل عليها بنفس النسبة تقريبا حيث انتقلت وقتها من 593 إلى 1552 في غياب تام لحزب البام الذي لم يؤسس بعد حينها. 

المعنى أن المنحى التصاعدي لنتائج الحزب كان طبيعيا بل كان منتظرا تحقيق أفضل منها خصوصا وأن الحزب يقود الحكومة منذ أربع سنوات وهو ما مكنه من الاقتراب أكثر من السلطة ومعرفة طريقة تفكيرها وإدارتها لل"الصراع " الحزبي، بل صار مشرفا على الانتخابات ومؤثرا في أجوائها.

كما أن الحزب تقدم للانتخابات الحالية كبديل للأحزاب المسيرة لعمادات المدن ومجالسها، وبالتالي لم يكن في الوارد أن يتعرض لتصويت عقابي بل على العكس من ذلك سيستفيد من نقمة المواطنين على التسيير الجماعي للأحزاب المنافسة وعلى رأسها حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال.

لكن الحاصل أن الأخيرين حافظا على الصدارة عدديا، وصار خصمهما هو البديل للتسيير خصوصا في المدن الكبرى كالدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس علما أن حزب البام لم يخسر من مقاعده شيئا في تلك المدن بل خسرت الأحزاب التي كانت متحالفة معه في تكوين المكاتب والعموديات.

يبقى التحدي الآن أمام البيجيدي تحويل "بديله" إلى حقائق على الواقع على بعد سنة تقريبا عن الانتخابات البرلمانية التي ستشكل المحك الفعلي لنجاح الحزب في تنحية خصومه السياسيين وخصوصا الرموز منهم كحميد شباط. والتجربة تقول أن الحزب الذي يدفع الثمن في الغالب هو الحزب القائد للتجربة أما الأغلبيات فتبقى نفسها لا تتغير ما دامت هناك أحزاب لا ترى نفسها خارج أية أغلبية حكومية، والمثال واضح في مآل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي يواصل سقوطه المدوي رغم استعانته بالأعيان وتجار الانتخابات.

ولعل الأغلبية الحكومية الحالية ستجد نفسها أمام محك صعب للاتفاق على ترشيح مشترك للعموديات وتسيير الجهات خصوصا وأن رئيس الحكومة أعلن منذ اليوم الأول أن مرشحيه للدار البيضاء هما الوزير العماري والأزمي، وهو ما سبقه إليه عدد من القياديين في القول أن الحزب سيرأس الجماعات التي يتوفر فيها على أغلبية دونما حاجة للتحالف مع أحزاب أخرى.

التجربة التركية ليست بعيدة عنا، فتوجه العدالة والتنمية التركي للتسيير المنفرد لولايات كانت فيها يحصد الأغلبية المريحة وضع البلاد في أتون أزمة سياسية فرضت اللجوء إلى انتخابات مبكرة بعد فشل الحزب في تكوين حكومة جديدة لتغييبه منطق التحالف الحزبي عن الساحة السياسية التركية لسنوات خلت. 

في الحالة المغربية، يبدو أن أحزاب التحالف الحكومي لا يمكنها التفريط في تسيير جماعات صغرى كانت أو كبرى باعتبارها وسيلة خدمية مباشرة مع المواطنين الذين يشكلون الخزان الانتخابي للبرلمانيات القادمة. هكذا لن تقبل الأحزاب أن تتحول إلى مجرد تكملة عدد للضرورة ولو اضطرت للتحالف مع خارج الأغلبية الحكومية الحالية. وهذا أمر جار به العمل حيث لا تلتزم القواعد بالتعليمات القيادية باعتبارها الأعرف بجماعاتها وترتيباتها السياسية.

الخلاصة أن:

أولا، حزب العدالة والتنمية حقق اختراقا هاما في الانتخابات خصوصا وأنه يظل المحتكر الأوحد للصوت الإسلامي، لكنه يجد نفسه أمام تحدي مواجهة الشارع بشكل مباشر باعتباره قائدا للتجربة الحكومية ولتسيير المدن الكبرى للمغرب.

ثانيا، حزب الأصالة والمعاصرة صار رقما أساسيا في المعادلة السياسية المغربية. وبافتراض أنه "صنيعة" الدولة، فالمعروف أن المخزن لا يتخلى عن أدواته بل يطورها.

ثالثا، انتهت الكتلة الديمقراطية وأحزابها المشتتة بين الأغلبية والمعارضة، وانتهى معها اليسار التقليدي.

رابعا، بدأ يسار جديد في التشكل قد يصبح في المستقبل المنافس الحقيقي لحزب العدالة والتنمية ففيدرالية اليسار الديمقراطي حازت الرتبة التاسعة بعدد 333 مستشارا جماعيا. يبدو الفرق شاسعا لكن لا يجب أن ننسى أن عدد مستشاري البيجيدي كان قبل أقل من عشر سنوات لا يفوق 600.

خامسا، فشلت الدولة والأحزاب في رهان دفع المواطنين للمشاركة حيث أن نسبة المشاركة المعلنة لا تسري إلا على عدد المسجلين وليس الكتلة الحقيقية التي يحق لها التصويت كما في البلدان الديمقراطية، مما يفقد النتائج الزخم والسند الشعبي المطلوبين. كما أن عدم قدرة الدولة على تحمل صوت المنادين بالمقاطعة ومواجهتهم أمنيا تؤشر على "هشاشة" التجربة خصوصا مع غياب فصيل يبدو إلى الآن رقما هاما وهو جماعة العدل والإحسان.

عود على بدء

الانتخابات ليست مجرد أرقام بل هي رسائل سياسية وتوازنات مرحلية واستشرافية تسائل الدولة والأحزاب والمواطنين. أما الاختباء وراء الأرقام المنتقاة بعناية فلن يسهم إلا في إيهام النفس وتضليل الشارع.
التعليقات (0)