ملفات وتقارير

حوار على مقهى يقود "آلان جريش" للاستدعاء بداخلية مصر

الصحفي الفرنسي اعتبر "المواطنين الشرفاء" أخطر من أي قمع نظامي - أرشيفية
الصحفي الفرنسي اعتبر "المواطنين الشرفاء" أخطر من أي قمع نظامي - أرشيفية
دفع الصحفي الفرنسي الشهير "آلان جريش" رئيس التحرير السابق لصحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، من وقته وأعصابه؛ ساعات عدة في قسم شرطة قصر النيل للاشتباه به، ثم في مقر وزارة الداخلية المصرية للاعتذار إليه!
 
وجاء الاحتجاز، ثم الاعتذار الاحتجازي، ثمنا لحوار سياسي أداره جريش مع صحفيتين مصريتين، في مقهى بالقرب من ميدان التحرير بوسط القاهرة، الأمر الذي أثار ريبة مواطنة مصرية، أبلغت عنه، واحتجزته قوات الأمن بناء على هذا البلاغ، بحسب رواية وزارة الداخلية.
 
وروى "جريش" ما حدث معه في اتصال هاتفي مع إحدى الفضائيات قائلا: "كنت أجلس مع صحفية وطالبة مصرية نتناقش بالإنجليزية والعربية، وكانت هناك مواطنة تنصت لحديثنا، لكنها صرخت فينا فجأة، وقالت: ها تخربوا البلد".
 
وأضاف جريش: "خرجت المواطنة، وتحدثت مع أفراد من قوة أمنية موجودة خارج المقهى، فأتوا للداخل، وحققوا معي عن أسباب وجودي في مصر، وكيفية دخولي، وسحبوا جواز سفري، وبطاقاتي الصحفية، وكذلك الصحفية والطالبة، قبل أن يعودوا بعد نصف ساعة، ويعيدوا لي جواز السفر قائلين إنهم سيحتجزون البطاقات، وسألوني إذا ما كنت أحمل تصريح مزاولة المهنة في مصر".
 
وبعدها أخبر أفراد الأمن "جريش" أن بإمكانه الانصراف، لكنه رفض الذهاب دون الإفراج عن زميلتيه، قبل أن يخلوا سبيلهم جميعا بعد قرابة ساعتين.
 
وأعرب جريش عن استغرابه من سهولة القبض على أي أحد، وأن يُسلم أي شخص للقوى الأمنية. وأضاف أنه كان يعلم جيدا صعوبة عمل الصحفيين في مصر إلا أنه اليوم عاش الأمر بنفسه.
 
وكشف الصحفي مصطفى بسيوني -صديق جريش الذي كان يتابع معه الأمر- أن شخصيات من نقابة الصحفيين والمجلس القومي لحقوق الانسان تحدثوا مع مأمور قسم قصر النيل، الذي نقلوا عنه أن مواطنة كانت في المقهى، أبلغت الشرطة عنه، عندما سمعت جريش وزميلتيه يتناقشان في أمور سياسية محلية، وبالتالي تعاملت الشرطة مع "البلاغ".
 
ونقل الناشط الحقوقي، إسماعيل الإسكندراني، شهادته على الواقعة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بعنوان "بخصوص ما حدث لرئيس تحرير جريدة لوموند ديبلوماتيك، آلان جريش، المصري الأصل الذي يزور القاهرة لمدة أسبوع: جلس جريش مع صحفية بـ"الشروق" وطالبة جامعية، في كافيتيريا حلواني "لابوار" المواجهة للسفارة البريطانية، وتبادلا أطراف الحديث بالعربية والإنجليزية عن الأحوال في مصر. وبعد نصف ساعة، قامت "زبونة" كانت تجلس بجوارهم، وصرخت فيهم أنهم يريدون تخريب البلد".
 
 وأضاف الإسكندراني: "خرجت السيدة التي يصفها جريش بلكنته الخواجاتي بأنها "upper class Foloul"، وأبلغت قوات الشرطة الرابضة في محيط السفارتين البريطانية والأمريكية، فانتظروهم حتى خرجوا، وتم توقيفهم.. وبعد نصف ساعة من الأسئلة والاستجواب، أعادوا له جواز السفر، وأخبروه بإمكان انصرافه، على عكس الفتاتين.. فأصر على عدم الانصراف إلا معهما، فأعادوا سحب جواز سفره".
 
واستطرد الإسكندراني: "بعد اتصالات مكثفة مع السفارة الفرنسية، ونقابة الصحفيين، وبعد أسئلة مكررة سخيفة، تدخلت تعليمات عليا، وتم صرف ثلاثتهم.. وعاد إلى فندقه مرهقا، ونام قليلا، ثم استقبل مكالمة هاتفية في الفندق نحو الساعة 6، وأخبره المتصل بأن سيارة ستأتي لاصطحابه إلى وزارة الداخلية لتقديم الاعتذار".
 
 وتابع الإسكندراني: "جلست في انتظاره بحسب موعدنا، فأرسل رسالة نصية إلى هاتفي يخبرني بأنه في مأزق، وأنه يجري اقتياده إلى وزارة الداخلية.. أجريت اتصالات سريعة بالزملاء الصحفيين في مؤسسات عدة، وأكدت أن تقييد حريته،  واقتياده بدون إرادة حرة منه إلى الوزارة لا يمكن تسويغه بالرغبة في الاعتذار، وأن الذي يريد أن يعتذر يمكنه إجراء مكالمة، أو من اللياقة أن يذهب إلى من تم الخطأ في حقه، لا أن يقتاده إلى مكتبه".
 
 وأكمل: "خرج آلان بعد قليل، وأتى إلى مكان موعدنا حاملا درعا من وزارة الداخلية، وبعض المطبوعات التي أهداها له المسؤول عن قسم حقوق الإنسان في الوزارة، الذي أراد توظيف الموقف في الترويج لازدهار حقوق الإنسان في وزارة المذابح.. وضع جريش الدرع، والمطبوعات على الأرض، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث، فحكى عن تفاصيل يومه، وأبدى انزعاجه الشديد من ظاهرة المواطنين الشرفاء، الذين يراهم أخطر من أي قمع بوليسي نظامي".
 
وأكدت حنان فكري، عضو مجلس نقابة الصحفيين، الرواية السابقة، في تصريحات صحفية، قائلة إن ضياء رشوان نقيب الصحفيين تدخل للإفراج عن جريش.
 
ومن جهته، تقدم أحمد النجار، رئيس مجلس إدارة الأهرام، باعتذار إلى آلان جريش، على احتجازه من قبل وزارة الداخلية.
 
وكتب النجار في صفحته على "فيس بوك" صباح الأربعاء قائلا: "مؤسسة الأهرام تنشر ملحقا شهريا يتضمن مقالات مختارة من لوموند ديبلوماتيك، وكان رئيس تحريرها آلان الرائع على موعد معي في الأهرام في الثالثة من بعد ظهر أمس، وجاء بشوشا وساحرا كعادته، ثم حكي لي عن واقعة إبلاغ إحدى السيدات عنه لأنها تنصتت عليه، وهو يجلس في أحد المقاهي، وعن احتجاز الشرطة له لمدة ساعة ونصف الساعة حتى بعد أن عرفهم بنفسه".
 
وأضاف النجار: "حكي لي آلان جريش الموقف، وهو يضحك استغرابا على ما حدث، وعلى كم الجهل، والتدني الذي ينطوي عليه، وعلى عدم إدراك قيمته طالما أنه لفرط بساطته ورقيه يبدو كإنسان عادي، لكن شيئا من عشقه لمصر التي ولد بها لم يتغير".
 
وتساءل النجار: "ترى.. لو حدث ذلك لأي منا في فرنسا أو أي بلد آخر.. هل كنا سنبقي على ذرة من المشاعر الإيجابية تجاه ذلك البلد؟!"، وتابع: "أشعر بالخجل فعلا، وأعتذر شخصيا لهذا المفكر الرائع".
 
لكن الناشط والمدون وائل عباس، رأى في إلقاء قوات الأمن القبض علي آلان جريش "فضيحة دولية".
 
وكتب عباس -في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"-: "مسكوا آلان جريش مدير تحرير لوموند، على قهوة في وسط البلد، بعد بلاغ المواتنين الشرفاء! فضيحة دولية أهه!.. ‏غباء".
 
و"آلان جريش" صحفي فرنسي ولد في مصر عام 1948، وتولى رئاسة تحرير دورية "لوموند ديبلوماتيك" الشهرية حتى أواخر 2005، ونتيجة لوقوع مشكلات مع إدارة الصحيفة، أصبح نائب مدير التحرير حتى ترك الصحيفة في أوائل 2008.
 
ويتردد جريش على القاهرة على فترات متباعدة، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 شارك مع الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في ندوة نظمها مركز الأمم المتحدة للإعلام، بالتعاون مع مؤسسة الأهرام، حول "الإعلام في المراحل الانتقالية ومستقبل المؤسسات الإعلامية القومية".
 
وتواجه مصر حملة انتقادات لاذعة بسبب مستوى الحريات، الذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية، بأنه بلغ مرحلة حرجة للغاية.
 
وقالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى هيومان رايتس ووتش في بيان الشهر الماضي: "عادت الأمور تجرى كالمعتاد فى مصر، والحكومة تدهس حقوق مواطنيها بالأقدام جهارا، وتؤيدها الحكومات الغربية".
التعليقات (0)