مقالات مختارة

حقوق الإنسان في ذكراها الخامسة والسبعين

سعيد الشهابي
احتفل العالم بالذكرى الـ75 لاعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- الأناضول
احتفل العالم بالذكرى الـ75 لاعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان- الأناضول
احتفى العالم الحقوقي ونشطاؤه يوم أمس باليوم العالمي لحقوق الإنسان، وكان هناك اختلاف واسع حول مدى فاعلية المنظومة الحقوقية وتفرعاتها القانونية والإدارية. وبعد ثلاثة أرباع القرن من إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يُفترض أن يكون العالم قد قطع شوطا في احترام الحقوق الأساسية للبشر، والحدّ من الانتهاكات المروّعة لإنسانيته من خلال سياسات القمع والاضطهاد. لكن لم يكن هناك من الإنجازات في هذا المضمار ما يستحق التغنّي به، خصوصا في الشرق الأوسط.

إذ لا يبدو أن ترويج المنظومة الحقوقية وتوسع مؤسساتها ومنظماتها قد حقق فعلا اختراقا حقيقيا في أساليب تعامل الحكومات مع الشعوب، خصوصا تلك التي تطالب بشراكة سياسية وتعددية وديمقراطية حقيقية. ويكفي النظر لما يجري في المنطقة لاستيعاب الواقع الصعب الذي يعانيه أهلها بسبب الظلم والاضطهاد؛ ففي غياب النظام السياسي العادل أو المنتخب من قبل المواطنين، تتلاشى فرص احترام البشر مع انعدام العدالة وحكم القانون وغياب التشريعات التي تراعي مصالح الناس.

ويضاف إلى معاناة المنطقة، بقاؤها تحت الاحتلال من جهة والهيمنة الغربية من جهة أخرى. وقد تزامن تأسيس الكيان الإسرائيلي مع ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأصبح شعب فلسطين التجسيد العملي لغياب الحقوق التي ينص عليها ذلك الإعلان.

وقد أكدت تجربة امتدت ثلاثة أرباع القرن، استحالة حصول الفلسطيني على حقوقه في ظل الاحتلال القائم على أساس الفصل العنصري عمليا. ووجود الاحتلال من بين عوامل انتشار الاستبداد وتهميش الإعلان المذكور؛ فلو حظيت الشعوب العربية بحقوقها المنصوص عليها في ذلك الإعلان، لأصبح النظام السياسي العربي ديمقراطيا، ولأصبح لمواطنيه حق التشريع واتخاذ القرارات السيادية، ومنها تفعيل مبادئ التضامن العربي التي تقتضي حماية فلسطين من الاحتلال.

أكدت تجربة امتدت ثلاثة أرباع القرن، استحالة حصول الفلسطيني على حقوقه في ظل الاحتلال القائم على أساس الفصل العنصري عمليا.
في العاشر من كانون الأول/ديسمبر من العام 1948، تم إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبدأت الدول تصادق عليه تدريجيا. وعلى مدى 75 عاما، توسعت دائرة الاهتمام بالإعلان الذي اعتبر تجسيدا للتطور الإنساني على صعيد المساواة والاحترام وحرمة النفس الإنسانية وكرامتها. يومها كانت الأمم المتحدة التي كانت قد تأسست قبل ثلاثة أعوام فحسب لتحلّ محل «عصبة الأمم»، تتطلع لعالم أقل توحشا مما شهدته الإنسانية في النصف الأول من القرن، خصوصا خلال الحربين العالميتين. واعتُبرت التشريعات الحقوقية ظهيرا يدعم تطلعات المنظمة الدولية، وبداية إيجابية لتأسيس عالم يتقلص فيه الاضطهاد ومصادرة حقوق الآخرين، والتوسع الذي كان ملازما لحقبة الاستعمار.

ويُفترض أيضا أن المنطقة العربية هي الأقرب لاحترام الحقوق؛ نظرا لانتمائها للإسلام الذي منح الإنسان حقوقه، فما أكثر الآيات القرآنية التي تؤكد كرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية والعدالة! وما أوضح نصوص «وثيقة المدينة» التي كتبها رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام لتنظيم العلاقات في دولة المدينة! وكذلك «رسالة الحقوق» للإمام علي بن الحسين، فكلها تضع القواعد التي توضح ما للإنسان من حقوق، وما عليه من واجبات.

الواضح أن المنظومة الحقوقية الحديثة تركز على الحقوق ولا تتطرق بوضوح للمسؤوليات، وهذا أحد جوانب النقص في الثقافة الحالية. ولكي يتكامل الطرح لا بد من التعاطي الجاد مع مقولة «المسؤولية»، سواء على مستوى الدولة التي تتحمل قسطا وافرا منها، أم على مستوى الأفراد الذين لا مناص لديهم من تحمل قدر من المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، لكي يتكامل المجتمع ويتصالح مع نفسه. وبين هاتين المسؤوليتين، تبرز حقوق الإنسان كضامنة لحقوق الأفراد وحمايتهم من اضطهاد السلطة، خصوصا عندما تقع تحت هيمنة الاستبداد، سواء كان من الحاكم الفرد أم الحزب أم القبيلة.

هذه الأسس قامت عليها ديباجة الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أمل إقامة منظومة حياة يتمتع الإنسان من خلالها بالعدالة والكرامة والحرية. وفي ظل السياقات المتغيرة بشكل مستمر، يُفترض أن يتعمق الشعور بعالمية هذه الحقوق والابتعاد عن التخندق ضمن مقولة «الخصوصية الثقافية» التي تُستخدم لتبرير التقاعس في هذا المجال. فقيم الحرية والعدالة والمساواة حقوق طبيعية عالمية مُستحَقة للإنسان من خالقه، ولا يحق لأحد سلبها منه أو مساومته عليها.

إظهار أخبار متعلقة


لكن أنظمة الاستبداد تدرك أن الفرد الذي يتمتع بهذه الحقوق الأساسية لن يقبل بالاستبداد، ولن يسكت على الظلم، ولن يتنازل عن كل ما يعدّه حقّا مشروعا له، ومن ذلك حق المشاركة في صنع القرار ورفض الاستعباد أو الاستهبال أو التهميش، وهي أساليب الأنظمة الشمولية التي لا تقبل بالمساءلة من قبل المحكومين. وهذا مناقض للمبادئ الإنسانية التي أقرها الإسلام؛ فالمسؤولية مشتركة (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وكذلك مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأ رفض الظلم والإهانة، بل سيتحرك في عالم يتجه بشكل أكبر نحو التطور التكنولوجي، فهناك تحديات مشتركة تواجه رهانات تغير المناخ والتنمية المستدامة والتكنولوجيا الرقمية.

كما أن هناك حاجة للنهوض بالثقافة الحقوقية؛ باعتبارها رافعة لتعزيز عالميتها. ومن المؤكد أن التطور التكنولوجي سيؤدي إلى أوضاع تُخِلُّ في بعض جوانبها بحقوق البشر خصوصا في مجال حق العمل. ومع توسع انتشار «الذكاء الاصطناعي»، يتلاشى المجال أمام البشر في الكثير من المجالات. وهذا يؤدي للاستغناء عن العمالة البشرية، الأمر الذي يزيد ظاهرة البطالة بتقليص مجال العمل أمام البشر. والبطالة أحد تجليات تهميش الحقوق مهما كانت أسبابها، وهكذا تتصاعد احتمالات الاحتكاك بين التكنولوجيا وحقوق الإنسان.

برغم ما قيل، فإن الأرضية الروحية والفكرية لحقوق الإنسان من منظور إسلامي لم يتم العمل بها خلال العصور اللاحقة، أي بعد انتهاء الخلافة الراشدة وقيام نظام سياسي ملكي مؤسس على توارث الحكم وهوى الحاكم، وتم خلاله تهميش حقوق البشر؛ فقد ساد الاضطهاد في أغلب حقب التاريخ الإسلامي، ومارس الحكام صنوف القتل والتعذيب بحق المعارضين؛ ولذلك لم تتطور الظاهرة الحقوقية ضمن النظرية الإسلامية خلال العصور السابقة، وحين أطلقها الغربيون بعد الحرب العالمية الثانية ووضعوا أسسها وأطرها، اعتقد البعض أنها تطور إيجابي طارئ على البشرية، واحتار الكثيرون حول كيفية التعاطي معها، وانبرى علماء المسلمين لإعادة بلورة منظومة حقوقية إسلامية قادرة على مسايرة ذلك التطور، وما يزال السجال قائما بشأنها، خصوصا في الأوساط التقليدية التي ترفض إعادة النظر في التاريخ الإسلامي للاستفادة منه في التخطيط لمستقبل أكثر التزاما بمنظومة القيم، وأقل توجها نحو الاستبداد والديكتاتورية وانتهاك الحقوق.

ولكي يكون هناك ميثاق إسلامي لحقوق الإنسان، لا بد أن يُستمد من النص الديني الأصلي، وليس من ممارسة الحكام الذين انتهكوا حقوق الناس في وضح النهار، ومارسوا اللهو واللعب وحوّلوا الحكم إلى ملك عضوض بعيدا عن روح الإسلام وتعليماته.

برغم الموقف الغربي السلبي من موقع تلك الحقوق في المشروع الإسلامي، فإن التجربة الغربية لم تثبت قدرة الدول الصناعية على ضمان تلك الحقوق وحمايتها، فالمنظومة الأخلاقية ضرورة لتعميق الإيمان ليس بالمنظومة في شكلها النظري فحسب، بل في تجلياتها على أرض الواقع. وما يزال الإنسان الغربي يعاني من الاضطهاد خصوصا في مجال المعيشة؛ فما أكثر الذين يعيشون بلا مأوى ويقضون حياتهم في الشوارع يفترشون الأرض ويلتحقون السماء! وما أكثر العائلات المفككة بسبب خلل النظم والقيم الاجتماعية وتراجع حقوق الإنسان!

وهنا تبرز ظواهر في المناخات الاجتماعية بدول «العالم الحر»، فمع تضخم الذات لدى المواطن العادي وما يرتبط بها من أنانية مفرطة، تتحرك الحكومات في المجال الحقوقي بعقلية انتقائية، حيث تختار ما يناسبها من تلك الحقوق وتتجاهل جوانب أخرى، فليس هناك سياسات ثابتة في المنظومة السياسية الغربية تتسم بالثبات على القيم بتطبيقها أو الدفاع عنها، كما ليس هناك تمسك بمبدأ العدالة والمساواة بين أرواح البشر.

وتُظهر الحروب والصراعات المسلحة تضاؤل قيمة الروح الإنسانية لدى القادة السياسيين والعسكريين، فما أسهل استهداف البشر بأسلحة القتل الشامل! أليس هذا ما يحدث في غزة؟ أليس الغرب صامتا كصمت الأموات إزاء الموبقات التي تحدث في فلسطين؟ أليس الغرب صامتا أمام الانتهاكات الحقوقية من قبل الأنظمة والحكومات التي يعدّها «حليفة»؟

المصدر: القدس العربي









التعليقات (0)