قضايا وآراء

الإسلام والرجم (16): أحاديث ضعيفة في الرجم

عصام تليمة يكتب: الإسلام والرجم (16): أحاديث ضعيفة في الرجم
عصام تليمة يكتب: الإسلام والرجم (16): أحاديث ضعيفة في الرجم
تحدثنا في مقالاتنا السابقة عن أحاديث تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم للرجم، في ثلاث حالات، وناقشنا هذه النصوص، وبقيت بعض أحاديث وردت في الرجم لكنها ضعيفة، ولكن لأهميتها العلمية في الموضوع نتناولها، من حيث السند، ومن حيث المتن، ودلالاتها الفقهية. منها:

1 ـ حديث اللجلاج:

عن خالد بن اللجلاج أن أباه حدثه قال: بينما نحن في السوق إذ مرت امرأة تحمل صبيا، فثار الناس وثرت معهم، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لها: من أبو هذا؟ فسكتت، فقال: من أبو هذا؟ فسكتت، فقال شاب بحذائها: يا رسول الله إنها حديثة السن، حديثة عهد بخِزْية، وإنها لن تخبرك، وأنا أبوه يا رسول الله، فالتفت إلى من عنده كأنه يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيرا، أو نحو ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر برجمه، فذهبنا فحفرنا له حتى أمكنّا، ورميناه بالحجارة حتى هدأ، ثم رجعنا إلى مجالسنا، فبينما نحن كذلك، إذ أنا بشيخ يسأل عن الفتى، فقمنا إليه، فأخذنا بتلابيبه، فجئنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله، إن هذا جاء يسأل عن الخبيث! فقال: "مه، لهو أطيب عند الله ريحا من المسك". قال: فذهبنا فأعناه على غسله وحنوطه وتكفينه، وحفرنا له، ولا أدري أذكر الصلاة أم لا.(1)
  
سند الحديث:

وبداية فإن سند هذا الحديث اختلف علماء الحديث في صحة سنده، فهناك من حسنه، وهناك من ضعفه، وهو الراجح، فقد ضعفه الشيخ شعيب الأرناؤوط ورفاقه، وقالوا عن سنده: إسناده ضعيف، محمد بن عبد الله بن علاثة مختلف فيه، فقد قال البخاري: في حفظه نظر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الدار قطني: متروك، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، ويأتي بالمعضلات عن الإثبات، لا يحل ذكره في الكتب إلا على جهة القدح فيه، وذكره أبو نعيم في (الضعفاء) وقال: عن الأوزاعي وخصيف مناكير. وقال الحاكم في سؤالات مسعود: ذاهب الحديث له مناكير عن الأوزاعي، وعن أئمة المسلمين. ووثقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال ابن عدي: حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به. وقال في (التقريب): صدوق يخطئ.(2)

ومع كل ما سبق ذكره في سند الحديث، فقد صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود.(3)
  
وقفة مع متن الحديث:

والتأمل في متن الحديث، إن ثبتت صحة سنده، نجد عدة أمور نتوقف عندها، منها:

1 ـ أن امرأة كانت تسير في السوق تحمل صبيا، فثار الناس وثار معهم الراوي، ولا ندري علام يثور الناس على امرأة تحمل طفلا، وهل في حمل امرأة طفلا ما يدعوهم للثورة، ولتوقيفها، وسؤالها، وهل الأصل: أن الناس برآء من التهم، أم الأصل أن المجتمع المسلم يفتش في الناس ذاهبين وراجعين؟!

2 ـ لقد انتهوا بالمرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها: من أبو هذا؟ وهو ما يتعارض مع سلوك النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الستر، وعدم النبش في سلوك الناس، وبخاصة ما يدخل في شأن الأعراض، ولذلك قال السندي: (من أبو هذا؟) يفيد التفتيش عن حال الزاني، والبحث عنه، مع أنه جاء الستر، وتلقين الرجوع بعد الإقرار، وكأن المرأة كانت مُدَّعية عليه، إلا أنها سكتت حياء في المجلس، فأراد صلى الله عليه وسلم أنه إن لم يثبت عليه يجب على المرأة حد القذف، فبحث عنه لذلك).(4)
  
وهو تحمل في الأمر غير مقبول من الإمام السندي رحمه الله، لعدة أمور:

أولا ـ أن الناس هم الذين ثاروا عليها. 

ثانيا ـ أن الرجل عندما جاء تكلم من نفسه، وقد سكتت، فلو كانت متهمة له، ما تكلم الرجل، وبين أنها لن تتكلم. 

ثالثا ـ كيف تدعي على الرجل، ووقت الخصومة تسكت؟ فكيف جاءتها الجرأة في الادعاء، ولم تأتها الجرأة في الدفاع عن نفسها. 

رابعا ـ لو كانت شكت واتهمت الرجل بالزنا بها، وإتيانها بالولد منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الخفاء، فلماذا يحرجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلن ويسألها أمام الناس، وهو ما يتنافى مع سلوكه صلى الله عليه وسلم في قضائه في أمور الأعراض، وادعاء النسب.

3 ـ ما يستغرب له هنا: أن المرأة في هذا الحديث تحمل صبيا، وجاء أبوه واعترف بأنه زنا بها، وأقيم عليه حد الرجم، فما شأن المرأة، وماذا حدث لها؟ ولماذا لم يقم عليها الحد هي الأخرى، إن كانت بكرا بالجلد، وإن كانت ثيبا فبالرجم مساواة لها بمن زنى بها ورجم؟! ولم يبين الحديث ولا الزاني أنها أرغمها على الزنى، بل الواضح أنه كان بالتراضي بينهما، ولو كان زناه بها بالإكراه لها، ما قال الزاني هنا: إنها حديثة عهد بخزي، فلو كانت مكرهة ما قال بخزي، فكلمة بخزي هنا دلالة على رضاها بالزنى معه، وأن خزي ذنب الزنا هو الذي يمنعها من التكلم.

2 ـ حادثة مرجوم في السفر:

وهناك حالة ذكرتها كتب السنة، رجم صاحبها، وقد كان مسافرا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ونصها: عن أبي ذر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتاه رجل فقال: إن الآخر قد زنى. فأعرض عنه، ثم ثَلَّث، ثم ربَّع، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم ـ وقال مرة: فأقر عنده بالزنى فردده أربعا، ثم نزل ـ فأمرنا فحفرنا له حفيرة ليست بالطويلة، فرجم فارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم كئيبا حزينا، فسرنا حتى نزل منزلا، فسُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: "يا أبا ذر، ألم تر إلى صاحبكم، غُفِر له، وأُدخل الجنة".(5)
 
وهو حديث إسناده ضعيف، ففي إسناده: حجاج بن أرطأة، وهو مدلس وقد عنعن، وعبد الله بن المقدام لم يرو عنه غير عبد الملك بن المغيرة، ولم يؤثر توثيقه عن أحد، فهو مجهول.(6)
  
وهناك أحاديث أخرى ضعيفة وردت في الرجم، قد تم ذكرها في ثنايا حديثنا عن السنة القولية والفعلية في الرجم، عند ذكر روايات الأحداث، والسنن التي وردت في الموضوع، يمكن الرجوع إليها في مقالاتنا السابقة.

الهوامش:

1 ـ رواه أحمد (15934) وأبو داود (4435) والنسائي في الكبرى (17035) والطبراني في الكبير (19/448).
2 ـ انظر: مسند أحمد (25/282).
3 ـ انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني (3/66،65) حديث رقم (4435).
4 ـ انظر: مسند أحمد بتحقيق شعيب ورفاقه، هامش (25/283،282).
5 ـ رواه أحمد (21554) والطحاوي في شرح الآثار (3/142) عن أبي ذر رضي الله عنه.
6 ـ انظر: مسند أحمد بتحقيق شعيب الأرناؤوط ورفاقه (35/439).

[email protected]
التعليقات (0)