كتاب عربي 21

في وطَنِنا العَرَبيِّ الكَبير..

علي عقلة عرسان
1300x600
1300x600

في وطننا العربي الكبير، المُسلم متّهم بالظَّلامية، والمؤمن ملاحق بشبهة "الإرهاب" اللتين يلصقهما الصهاينة والغربيون بالإسلام زوراً وتجنياً وبُهتاناً؟! والعربي المُنتمي ملاحق بتهمة "القومية العربية؟!" التي يلصقها الانفصاليون والمُتعصبون والأيديولوجيون المتحجّرون بالعروبيين؟! فهل يبقى من أمتنا، خارج نطاق العروبة والإسلام، من يجوز له أن يحكمها ويتحكم بها، ممن لا ينتمون إليها ولا يريدون حمل هُويّتها؟! وهل هذا من الديمقراطية في شيء؟! 

 

حينما يتحول التدمير إلى منهج

وفوق هذا الرِّزء يوجد في كثير من السياسات العربية التابعة، والحكومات القامعة، والأوساط الانتهازية الفاسدة الساجِعة.. مصابون بأمراض اجتماعية، طائفية وعرقية وجاهلية، يحكمون المجتمع، ويصفونه بسلبيات ويلاحقونه بتشويه، ويحاصرون المنتمين إلى الأمة والأكْفَاء من أبنائها حصاراً خانقاً، حيث أصبح الشخص الكفؤ المُنتمي للأرض والأمة والعقيدة بوعي وخُلُق وإيمان، ليس قطعاً نادراً وقيمة مُستَهدَفة فحسب، بل حضوراً مرفوضاً وعُملة رديئة يجب أن تُطْرَد من السُّوق.. وأصبح إفراغ الوطن من الكفاءات والمُخلصين والمنتمين والمؤهَّلين للبناء باقتدار، هو طريق المستبدين والفاشلين والفاسدين والانتهازيين والعملاء، ووسيلتهم ليحكموا ويسودوا، وليبيعوا الوطن والشعب.. لقاء بقاء ومكاسب وحظوة ومناصب وحماية ونفوذ وإثراء ودعاية؟! 

لقد أصبح الانتماء والاقتدار والإخلاص مُستهدَفاً، والتدمير منهجاً، والفاقد للأهلية لامعاً فاضلاً رفيعَ المقام، مدعوماً بالرجال والمال والسلاح، وحصانَ رهانٍ لمن يراهنون على "الشُّطَّار" ليرفعوهم واجهات، وأصبحت وسائل إعلام وأوساطٌ إعلامية كثيرة أدوات ترقيع وتلميع.. ومَن يَدفَع يُرْفَع..؟!.. والنتيجة إفقار للأمة وشلّ لقدراتها، وتشكيك بوطنييها وشرفائها، وتهميش للأَكْفَاء من أبنائها المنتمين القادرين على الأداء والدفاع والبِناء.. وهذا ما لا نجد له مثيلاً في الأمم. 

 

لقد تحول كثير من مسؤولينا إلى تابعين لطغاة، فطغوا وتفرعنوا وفسدوا وأفسدوا وصار ذلك سمة المَسؤولية


كل مواطن عربي يرفع راية وطنه بإخلاص وصدق ووعي وحس سليم، ويعمل من أجل استقلاله وحمايته بالقوة الذاتية، ويدعو لأمة عربية متحرّرة من التبعية ومالكة لقدراتها وقرارها.. صار محاصراً بالإفقار، ومعرَّضاً للتشويه، يُحيَّدُ بهمجية ويُدمَّر بمنهجية، ويتهددُ عَقلَه وقلبَه ووعيَه وهُويَّتَه وماهيَّتَه ووجودَه خطَرٌ داهم من داخل بيت الأمة ومن خارجه.. يلاحقه قهر، وينتظره استجواب أو سجنٌ أو تشريدٌ أو موت؟! وسواء أَسْتشعر الخطَر أم لم يستشعره فإنه في الفخ والمِحنة، مغزوٌّ من الخارج ومنخولٌ منخورٌ من الداخل، لا يأمن على ذاته ولا على ذويه وممتلكاته.. وصارت الوشاية سلاحاً وراية، والخوف سيداً والصمت الجَبان وقاية، وصار أصبع كَفِّ المَرء لا يثق بأخوته الأصابع..؟! ذاك لأن الأنفس أُفسِدت فَفَسَدت..

والنفسُ راغبةٌ إذا رَغَّبْتها   وإذا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ 

كما قال الهُذَليُّ أبو ذؤيب. وتردَّت البيئة السياسية والاجتماعية والأخلاقية وأصيبت بعطب شديد، وأصبح العربي الإنسان "عُرياً وحاجةً وخَوفاً" وعالة على أمم وبلدان، يقف مُتَّكئاً على مِنْسأتِه شبه ميْت إلى أن تهوي فيسَّاقَط جَذْعَ نخلٍ مُنقَعِر.. 

 

خناجر غدرٍ في الخواصر

نحن في أوضاعنا التي أُلْنا إليها، وفي سياساتنا المتبعَة التابعة، وفي علاقاتنا المُضمَرة والمُشْهَرة.. نشكو من "خناجر غدرٍ في الخواصر".. أحقادُ أعدائنا وثاراتُنا مرفوعة سيوفاً فوق رقابنا، وأسلحتنا موجهة إلى رؤوسنا وصدورنا.. وهذا وضعٌ لا يقتل الأشخاص الجيدين والأبرياء منا فقط، بل يقتل الأمل في الأنفُس ويؤسّس لليأس والبؤس. 

وها نحن اليوم، ويا للحَسْرة والكَسْرَة، شهداؤنا مِئات ألوف في عتمة النِّسيان، وعظام أعدائنا النَّخرة تُحْيا وتُحَيَّا بسباسِبِ الرَّيحان.. قَتْلُنا ألوان، وفتك أعدائنا بنا وفتكُنا بأنفسنا ألوان، وتشرّدنا وشقاؤنا ألوان، وصحونا مدخول بفقدان ثقة وانعدام أمانٍ، وبتناقضات حادَّة متضادة تظهرُنا في لَبوس الرِّجس أو في مَسٍّ من الشيطان.. ها نحن نكاد نصبح آهة لا تبلغ مداها، وما يقارب جسداً ذا ألف عاهة.. يوردنا مَواردَ الهلاك فُتَّاكٌ أشرار، وساسة بثياب الأفاعي، وتجار سلاح وأجسادٍ وقيم وأرواح، وعملاء تنشرهم في أرجاء الوطن الكبير رياح.. تَعملُ فينا المِحَن والفِتن فعلَها من قتل ماديٍّ ومعنوي، جسدي وروحي، حيث الحرب علينا وبنا مستمرّة، وأعداؤنا يعززون قواهم ويوسّعون قواعدهم ونفوذهم، ويرفعون سقوف مطامعهم، ويتضاعف خطرهم علينا، ويزحفون على ما تبقى منا، وينخروننا نخراً بخططهم وأساليبهم وقواهم.. ولا يكفون عن التهديد والتوسُّع والتمدُّد، ويحاصروننا بنا..؟! فأية أوضاع مضحكة مبكية هي أوضاعُنا، وأي دودٍ ينغلُ في جراحنا، وأي بؤس يؤسس ليأسنا..؟!

لقد تحول كثير من مسؤولينا إلى تابعين لطغاة، فطغوا وتفرعنوا وفسدوا وأفسدوا وصار ذلك سمة المَسؤولية؟!.. يتنمَّرون علينا ويقتلوننا ويحتمون بأعداء أمتنا ليبقوا فوق رقابنا.. يجْبون أموالنا وأرواحنا ويرخصوننا للعدو ليرفعوا ذواتهم فوق الأُمَّة الذَّات وليتأبَّدوا في مواقعهم، حتى صار البعض منهم علة شعبه ووطنه ودينه وهويته وأمته، وصارت أمتنا عالة على الأمم في أمنها وفي معيشة عشرات الملايين من أبنائها الذين يقفون على العتبات، ويعيشون في المخيمات على الفُتاة، وتأكلهم وأطفالهم الأهوال والظُّلُمات.. 

 

الطُّغاة البُغاة التابعون لأعداء الأمة يتهمون العروبة ليضعفوا الأمة، ويتهمون الإسلام بالإرهاب ليهدموه، وما هو بِمُنهَدِم، والإسلام ضد التعصب والتطرف والإرهاب، وضد العُصاب الفِتنوي، وضد موالاة مَن يناصبونه العِداء، ومَن يقتلون الإنسان وينهبون الشعوب ويفسدون في الأرض.


إن هذا الوضع لا يُطاق، والامتهان المُهيمن لا يُحْتَمَل، وربما كان أشد وطأة مِن المِحنة والفِتْنة.. ومما يزيد الأمر ضِغْثَاً على إبَّالَة، أنه حين يتنادى الناس إلى موقف وفعل يضعان حداً لمآسيهم ولما يحيق بهم، يواجَهون بالرَّصاص، ويُزجُّون في المُعتقلات، وتلاحَقهم القوة التي يتوجب عليها أن تحميَهم.. فيُقتَل منهم مَن يُقتَل، ويَذوب رعباً مَن يذوب عند المواجهات، فعل الملح في الماء، ويلزَم الضعفاء والمستضعفون بيوتهم ولا يسلَمون؟! وإذا حصلت استجابة عَلِيَّة جراء عطف أو خوف، فإنها كغيمة صيف.. 

الإنسان والمسؤول اللذان لا يعنيهما أن ينتميا لأمتهما، ولا أن يدافعا عن أناسها وكيانها وهويتها وكينونتها وأرضها وعقيدتها، يروغان ويتزأبَقان في العَلَن ويمكن أن يشهرا سيفاً على الأمة مع أعدائها في السّر، ويتحوَّلان إلى صياد العتمة وفَتّاك الليل، ولا تعوِزهما المكائد ولا الذرائع.. فمن لا يهمه الصدق والعدل والحق ومصير الإنسان، لا يدافع عن الشرف والحِمى والشعب والحق، ولا عن الدين والحرية.. ولا يعنيه أن تُقَرِّح الدموعُ العيونَ أو يسيلَ الدّمُ سواقي.. وعندما يتشوَّف خطراً ما يركب "ماعونَه الطائر" ويذهب إلى وطنه "المال"، ويحتمي بمشغّليه وبمن يكنز عندهم ما سرق مِن مال الشعب.. وتتجدد مأساة الطّيبين المُنتمين على أيدي آخرين، يكون الاستعمارُ قد ربّاهم وهيأهم ليكونوا جيل المُوالاة الذي يخلف جيلاً مضى ويؤسس لجيل قادم.؟!

الطُّغاة البُغاة التابعون لأعداء الأمة يتهمون العروبة ليضعفوا الأمة، ويتهمون الإسلام بالإرهاب ليهدموه، وما هو بِمُنهَدِم، والإسلام ضد التعصب والتطرف والإرهاب، وضد العُصاب الفِتنوي، وضد موالاة مَن يناصبونه العِداء، ومَن يقتلون الإنسان وينهبون الشعوب ويفسدون في الأرض. 

ألا فليرتفع صوت الحق والعدل والحرية بفعل الوعي المُتفتِّح نوراً، وليُزْهر الانتماء ويزدهر الاقتدار، وليتحوَّل الرأي إلى فعل مُنقِذ، وتتحوَّل جموع الأشقياء التعساء إلى منتمين شجعان، يحمون القيم والإنسان والوطن والأمة والعقيدة.. وليرتفع الجانب الروحي ـ الإنساني فينا فوق نزوع الدّم واللحم، لنصبح أقرب إلى إنسانيتنا وعروبتنا وديننا، ولنستحق بقاءنا أمة واحدة، تقوى بوحدة الهدفِ والصفِّ والمَصير، لا تضعفها فرقة ولا تبعية لأعدائها، أعداء الحق والعدل والحرية والإنسان.. وليسطع في وطننا الانتماءُ لأمَّتين مِن خِيرة الأُمم.

التعليقات (2)
لاجئ عربي
الإثنين، 21-10-2019 06:19 ص
كلام انشائي رائع وجميل يا أستاذ علي عقلة عرسان .. ولكن السؤال هو من يرفع صوت الحق والعدل والحرية، على سبيل المثال في سورية، ومن يحددهما اليوم في ظل تداخل المفاهيم عند حتى " الكثيرين " وعدم قدرتهم أو رغبتهم التمييز أو الفصل بين الوطن ومن يحكمه، أو بين الدولة ومؤسساتها وبين السلطة الحاكمة والمتحكمة بهما..!؟ ثم هل يرتفع هذا الصوت بذاته، أو من تلقاء نفسه، أم يحتاج الى نخب واعية صادقة عقلانية حكيمة أمينة ومخلصة همها الوطن السوري وشعبه وليس شيء آخر..!؟ حينما تخلت النخب السورية عن دورها وصارت أدوات بيد السلطة الحاكمة تدافع عنها وليس عن الوطن لمصالح ضيقة، وزاد تغول الأجهزة الأمنية، خرج الشعب السوري بفطرته السليمة محتجاً ينادي بـ " الحرية " التي تربى عليها، ورفعها شعاراً ونادى بها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تتمترس وراءه هذه السلطة، ولكن انت رأيت ماذا كانت النتيجة، وماذا فعلت بالبلد لمواجهته بالرغم من انه لم يطالبها في البداية الا بالإصلاح، وفوق هذا لم تكتفي بارتكاباتها الاجرامية بحقه، وانما استقدمت لقمعه وتشريده ابشع المحتلين في العالم واعطتهم شرعية وجود لم تحصل من قبل في اي بلد.. بكل الأحوال جيد ان ترفع الصوت اليوم كواحد من " النخب " السورية ، وأحد اعلام الثقافة المحترمين، ولكن ان تستخدم " الأفعال المبنية للمجهول " في الخطاب، ولا تشير الى مكامن الخلل والعلل المكشوفة والمرض الوطني الأساسي المعروف للجميع، بالتأكيد لن يؤدي الى نتيجة مرجوة... نحن نعتقد يا أستاذ علي عقلة عرسان .. هو أن " علاج المرض " يبدأ بإزالة أسباب وجوده... مع كامل التقدير..
أحمد بشارة
السبت، 19-10-2019 11:07 ص
أشكرك على هذا المقال الرائع والذي يصف بصدق واقع حال أمتتا اليوم. لقد قرأته بإمعان فحظي لدي من إعجاب.. وكم أرجو أن يكون له من تأثير بناء في أنفس القاريء العربي المهتم والمتتبع لأحوال هذه الأمة ولأحوال هذا الوطن.