ملفات وتقارير

"التحقيق العسكري " أسلوب إسرائيلي لقتل الأسرى.. تفاصيل

اسرائيل تمارس أساليب تعذيب وتحقيق محرمة دوليا بحق الأسرى الفلسطينيين - (أرشيفية)
اسرائيل تمارس أساليب تعذيب وتحقيق محرمة دوليا بحق الأسرى الفلسطينيين - (أرشيفية)

"زيارة ثقيلة" كانت كفيلةً بتغيير حياة عائلة حريزات الفلسطينية التي تسكن مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة؛ فوصول أي خبر يطمئنها عن ابنها الأسير في سجون الاحتلال لم يحدث أبدا، بل لم يتوقع أحد منها أن ليلة اعتقال "عبد الصمد" ستكون هي المرة الأخيرة التي يرونه فيها حيا!

 

"عبد الصمد حريزات" اسم يعود لأسير فلسطيني كان من الممكن أن يلقى عائلته ويحتضن أمه من جديد لولا التحقيق العسكري القاسي الذي مورس بحقه فسلبه حياته وأحرق قلب كل من عرفه، ومع كل مرة يُذكر فيها اسمه يعود ملف هذا النوع من التحقيق ليفتح من جديد.

الحقيقة القاسية
في ليلة الثاني والعشرين من نيسان/ أبريل عام 1995 داهم جنود الاحتلال الاسرائيلي منزل الشاب عبد الصمد حريزات (29 عاما) في الخليل وقاموا باعتقاله واقتياده معصوب العينين مكبل اليدين إلى آلياتهم كأي عملية اعتقال تجري بحق الشبان الفلسطينيين، فيما لم يكن أمام عائلته سوى الانتظار لتحصل على أي خبر عنه.

 

ويقول شقيقه عبد الله لـ"عربي21" إن معاملة الجنود لعبد الصمد كانت كما أي أسير في ذلك الوقت، يتعرض للضرب والتقييد والنقل من سجن إلى آخر، وفي حينه تم نقل شقيقه إلى مركز تحقيق المسكوبية غرب القدس المحتلة لاستجوابه حول دوره في نشاطات مقاومة للاحتلال، ولكن بعد اعتقاله بيومين حدث أمرٌ أربك العائلة وجعلها تتوجس خوفاً على حياته.


"زيارة" قصيرة من مسؤولين في قوات الاحتلال لمنزل حريزات تمت في ليلة الرابع والعشرين من نيسان/ أبريل، كان كل فحواها هو الحصول على أي وصفة طبية تخص عبد الصمد لربطها بشيء لم تعرفه العائلة في البداية وزرع في قلبها الخوف حول أسباب ذلك.

 

ويوضح عبد الله بأنه طُلب منه ومن والدته الحضور إلى مركز المسكوبية في صباح اليوم التالي ففَعلا ذلك بقلق شديد، حيث هناك تم استجواب والدته منفردة وحين جاء دور شقيق عبد الصمد رفض الامتثال لأوامرهم إلا بعد إبلاغه بما يجري.. "طارئ صحي" كان الجواب الذي صُعق لسماعه وربط به "زيارتهم" الخبيثة التي أرادت أن تبحث عن أي شمّاعة لتعليق جريمتهم بها.

 

إقرأ أيضا: الأسرى الفلسطينيون يمهلون الاحتلال ساعات قبل بدء إضرابهم

 

ويضيف: "حينها تيقنت أن عبد الصمد ليس بوضع جيد وأصريت على رؤيته وبعد مماطلة تمكنت من ذلك؛ كان جسدا هامدا على سرير مستشفى هداسا مغمض العينين يتنفس ببطء وانتظام مخيف، لاحظت أنه رغم ذلك مقيد بالسرير فانفجرت صارخا أتخشونه وهو شبه ميت؟! فأخرجوني من المكان".

 

ساعات قليلة حتى أعلن المستشفى استشهاد عبد الصمد، ولكنه روحه التي أزهقت رفضت السكوت؛ حيث أن تشريح جثمانه أظهر إصابته بنزيف جراء هز عنيف تعرض له مؤخرا في منطقة الرأس والرقبة وعظام الظهر العليا، ووفقا لشهادات أسرى محررين فإنها سياسة يتبعها المحققون الإسرائيليون لإجبار المعتقلين الفلسطينيين على الاعتراف.

90 يوما عجاف!
"أحمد اطبيش" أسير محرر ذاق مرارة التحقيق العسكري عام 1998، يشرد بذهنه بعيداً كلما سُئل عما تعرض له خلال اعتقاله الذي استمر 16 عاما كانت منها تسعون يوما في التحقيق غير قابلة للنسيان مهما حدث.

 

"كان ضابط التحقيق يمسكني من كتفيْ ويهز بقوة رأسي بشكل عنيف حتى يجبرني على الاعتراف، ولأن جسد الأسير خلال التحقيق هزيل بفعل سوء التغذية وظروف الاعتقال

اللإنسانية فتلك الوسيلة قادرة على أن تحدث ضررا مؤقتا أو دائماً، ورغم الضجة الإعلامية التي حدثت بعد استشهاد الأسير حريزات إلا أن المحققين كانوا يواصلون ممارستها بحق الأسرى "، يقول اطبيش.

 

أما الوسائل الأخرى المؤذية التي تعرض لها فكان منها الضرب على الرأس بعنفٍ كفيلٍ أن يُفقد الأسير وعيه، بينما اعتُبر الشبح المتواصل لأكثر من 12 ساعة بوضعية واحدة هو الوسيلة الأكثر استخداما.

 

ويتابع في حديثه لـ"عربي21": "كانوا يقيدون يديّ إلى الوراء وقدميّ ببعضهما ويضعون على رأسي كيسا قماشيا أسود ثم يجلسونني على كرسي أصغر من جسدي مكبلا به وأبقى على هذا الحال لمدة لا تقل عن 12 ساعة متواصلة يوميا، وهي طريقة تخلف لدى الأسير آلاما مزمنة في العظام قد تلازمه مدى الحياة".

 

"النقرزة" مصطلح يطلقه الأسرى على أسلوب تعذيب آخر يتمثل -كما يوضح اطبيش- في تقييد الأسير وتعليقه على ارتفاع معين بحيث يرتكز كل ثقله على أصابع قدميه فقط وذلك لعدة ساعات حتى يفقد الإحساس بها.

 

إقرأ أيضا: الاحتلال يعتقل 6 آلاف طفل فلسطيني منذ عام 2015


وفي زنازين التحقيق يتمنى الأسير أن يعرف طعما للنوم؛ فذاك أسلوب آخر للتضييق عليه أن يحرمه المحققون النوم بعدة وسائل منها الصراخ المتواصل أو جلب مكبرات صوت تصدر أصواتا مزعجة؛ بينما كانت ترتجف أجسادهم بردا في الشتاء وتتصبب عرقا في الصيف.

 

"كان اعتقالي في فصل الشتاء وأذكر أنني كنت أرتجف من البرد؛ وبدلا من أن يعطوني أغطية أو ملابس كانوا يحضرون مروحة هواء باردة ويسلطونها عليّ، كانت أياما قاسية بمعنى الكلمة"، يضيف اطبيش.

ملاحقةٌ بلا نتائج
أصبح التحقيق العسكري يطلق على ذلك الذي يتعرض له الأسرى ممن يتهمهم الاحتلال بتنفيذ عمليات فدائية أو التخطيط لها، ولكن كل الأسرى وبينهم الأطفال والنساء ومهما كانت ذريعة اعتقالهم يتعرضون لأساليب تعذيب جسدية كالشبح والضرب ونفسية كالحرمان والشتم والتهديد، أما الملاحقة القانونية للاحتلال في ملف معاملة الأسرى فترتطم بجدار المماطلة والتسويف حتى يحمي محققيه من أي مساءلة.

 

ويؤكد مدير مركز الدفاع عن الحريات والحقوق المدنية حلمي الأعرج بأن المتابعة الحقوقية كانت حثيثة خاصة في ملف استشهاد حريزات؛ ولكن الاحتلال قام بإجراءات إدارية شكلية وليست جزائية لحماية المحققين من المساءلة.

 

ويقول لـ"عربي21" إن الإجراءات تمثلت في تخفيض الرتبة والحبس لأيام قليلة إن تم الحبس أصلا بدلا من أن يتم اعتقالهم وتوقيفهم عن العمل وتعويض الضحايا، كما أن الأخطر من ذلك هو الاتفاق بين مخابرات الاحتلال ومحاكمهم للحصول على موافقة قانونية للقيام بأساليب التحقيق العسكري، فيصبح المحقق محميا بالقانون!


وفي هذا السياق يوضح عبد الله حريزات بأن العائلة لم توقف جهودها الرامية لمحاسبة المحققين المسؤولين عن استشهاد شقيقه خلال التحقيق، ولكن القضايا جُمّدت تحت ذرائع أمنية عدة مرات وحتى الآن.

 

إقرأ أيضا: التصعيد الإسرائيلي ضد الأسرى متواصل والوضع على وشك الانفجار

 

ويضيف: "الاحتلال لم يعترف أبدا أنه من قتل عبد الصمد رغم أنه اعتقل من منزلنا على قدميه وعاد لنا من مراكز التحقيق جثة هامدة، وفوق كل هذا ذكرت إحدى وسائل الإعلام العبرية أننا تقاضينا مبلغا باهظا كتعويض بعد استشهاده وهو الأمر الذي لم يحصل أبدا ولا نسعى إليه بل إلى محاسبة المسؤولين عن قتله".

 

ولا يزال أسلوب التحقيق العسكري يمارس بحق الأسرى الفلسطينيين حتى اليوم، فالأسير عرفات جرادات من بلدة سعير شرق الخليل استشهد في أقبية التحقيق عام 2013 وحمل جثمانه آثار كدماتٍ لم تُمح إلى الآن من ذاكرة عائلته، أما الأسير عاصم البرغوثي من بلدة كوبر شمال رام الله والذي اعتقل في يناير الماضي أبلغ محاميه في أول زيارة له أنه فقد وعيه عدة مرات خلال التحقيق القاسي معه، بينما نهشت الكلاب جسد الأسير مبروك جرار من جنين في بداية العام الماضي بهدف الضغط عليه للإدلاء بمعلومات حول مكان وجود الشهيد أحمد جرار الذي كان مطاردا في وقتها، في الوقت الذي فضح فيه مقطع مصور قصير ما تعرض له الأسير زياد شلالدة ونجله محمود شمال رام الله قبل شهرين من ضرب ودماء تناثرت خلال اعتقالهما لإجبارهما على الاعتراف.. لتثبت دولة الاحتلال وحشيتها في كل وقت بحق أجيالٍ لا تنسى ولا تغفر.

التعليقات (0)