صحافة دولية

فورين بوليسي: كيف فقدت المعارضة التركية عقلها؟

فورين بوليسي: المعارضة التركية فقدت عقلها بعد فشلها الانتخابي- جيتي
فورين بوليسي: المعارضة التركية فقدت عقلها بعد فشلها الانتخابي- جيتي

نشرت مجلة "فورين بوليسي" مقالا لطالب الدراسات العليا في جامعة براون سليم سازاك، يقول فيه إن المعارضة التركية تعاني من حالة انهيار بعد انتخابات الرئاسة، التي نظمت في حزيران/ يونيو، تاركة الرئيس دون وجود منافس حقيقي، مشيرا إلى أن المعارضة التركية فقدت عقلها بعد فشلها الانتخابي. 

ويقول الكاتب في مقالها، الذي ترجمته "عربي21"، إنه في الوقت الذي كان فيه الرئيس أردوغان يحتفل بنصره الانتخابي الثالث عشر على التوالي، فإن معارضيه كانوا يتجهون نحو السقوط الذريع، ويعبر حالهم عن المشكلة الأساسية التي تعاني منها السياسة التركية، وهي أن المعارضة دون أفكار حقيقية، ودون إلهام، فيما يهتم قادتها بالحفاظ على مقاعدهم، بدلا من التفكير في مصلحة البلاد". 

ويشير سازاك إلى أن "المعارضة شاركت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية  في حزيران/ يونيو، مدفوعة بحس من الحاجة لتحقيق نصر، ففي نيسان/ أبريل 2017 حقق أردوغان انتصارا بهامش صغير؛ لتمرير إصلاحاته الدستورية، التي أنهت سلطة البرلمان وحددتها بنوع من الشكلية، وفتحت الباب أمام رئاسة إمبريالية طالما حلم بها، عندما كان عمدة شابا لمدينة اسطنبول، وقد تحدث أردوغان ذات مرة عن الديمقراطية بأنها مثل القطار يركبه حتى يصل إلى مقصده، ويتركه وراءه، وبنصره الأخير يبدو أن قطار أردوغان قد وصل إلى المحطة".

ويلفت الكاتب إلى أنه "مع بدء الحملة الانتخابية فإن الكثير من الأتراك شعروا بأن النصر قادم، وقاتلت المعارضة محاولات أردوغان لدفعها من الحملة، وأضافت إلى صفوفها ميرال أكسينار من حزب الخير، التي انشقت عن الحركة اليمينية حزب الحركة الوطنية، بعدما تحالفت مع حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان، وفي الأشهر التي سبقت الانتخابات استطاعت المعارضة تجاوز خلافاتها، وشكلت تحالفا قائما على الهدف المشترك، وهو الإطاحة بأردوغان، وشارك فيه علمانيون وقوميون ومحافظون وليبراليون، الذين لم يكونوا في الظروف العادية ليشاركوا في هذا التحالف". 

 

ويفيد سازاك بأن "هذا التحالف وجد شخصية لمواجهة أردوغان، وهو محرم إنجه، من حزب الشعب الجمهوري، وهو أستاذ فيزياء سابق، ومتحدث جيد، وأثبت أنه منافس حقيقي لأردوغان، وحصل إنجه عبر الحملات الانتخابية التي لا تتوقف ورسائله الداعية لبناء الجسور على الكثير من المعجبين، وتجمع في ماراثونه الانتخابي في أكبر ثلاث مدن في تركيا أكثر من مليون شخص". 

 

ويستدرك الكاتب بأن "آمال المعارضة بدأت بالانهيار بعد ظهور النتائج الأولى للانتخابات، فكانت المعارضة واثقة من عدم حصول أردوغان على النسبة التي تجعله قادرا على الفوز، وبالتالي إجباره على جولة انتخابية ثانية، وكانت النتيجة النهائية فوز أردوغان بنسبة 52% من الأصوات، فيما حصل إنجه على 31%، وحصل المرشحان الآخران مجتمعين على نسبة أقل من 16%".

ويجد سازاك أنه "بنظرة إلى الوراء، فإن محاولة تحدي أردوغان هي مهمة شريفة لكنها فاشلة، فقد كانت المعارضة ضد هدف لا يمكن قهره، واستخدم أردوغان كل ما لديه من وسائل يفرضها منصبه، ومصادر الدولة والإعلام  الواقع تحت سيطرته كلها."

وينوه الكاتب إلى أن الرئيس السابق عبدالله غول كان يفكر في ترشيح نفسه، وتراجع عندما حضر على بابه كبير جنرالات الجيش التركي، فقرر عدم الترشح، مستدركا بأنه رغم تأكيد غول أن الزيارة كانت عائلية، لكن هذا لا ينفي الانطباع بأنه أجبر على الخروج من السباق. 

ويذكر سازاك أن بقية المرشحين، مثل أكسينار، عانوا من مضايقات شديدة، وقطع التيار الكهربائي عن احتفالاتهم الانتخابية، فيما قاد زعيم حزب الشعوب الكردية صلاح الدين دمرتاش، حملته من السجن، مشيرا إلى أنه في ظل هذه الظروف فإن نجاح المعارضة كان مهمة مستحيلة. 

 

ويشير الكاتب إلى أنه منذ الانتخابات انهار التحالف الذي تمحور حول إنجه، وعبر الناخبون عن فقدان الصبر والغضب، وبأنهم يريدون رؤية الرؤوس تتطاير، وألا يتم توفير أحد من نقمتهم.

ويبين سازاك أنه "بالنسبة لزعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو فإن نتائج الانتخابات كانت كابوسا، فهذه الهزيمة التاسعة له، وعلى ما يبدو فقد تعاطف أعضاء الحزب معه، فيما يواجه الغضب ذاته نائباه، وهما بولنت تزتشان واونور أدي غوزيل". 

ويقول الكاتب إن "حلفاء إنجه كانوا يأملون بقدرته على مواجهة كليتشدار أوغلو، والسيطرة على الحزب في انتخابات نيسان/ أبريل، وبعد أيام من إعلانه ترشيح نفسه، فإن إنجه حصل على دعم كاف لإجراء انتخابات قيادة في الحزب، لكن الدعم بدأ ينحسر مع تراجع الداعمين له بعد خسارته الانتخابات، وربما جاء هذا بسبب ضغوط من قادة الحزب بشكل دفع أنصار إنجه لنقل المعركة إلى المحكمة".

ويرى الكاتب أن "مشكلة إنجه أنه لم يخرج من الانتخابات دون أذى، ففي ليلة الانتخابات اعترف بالهزيمة، رغم تعهده بالقتال حتى النهاية، عندما أرسل رسالة عبر تطبيق (واتساب) إلى صحافي تلفزيوني، قائلا: (فاز الرجل)، ثم اختفى بشكل خلق حالة من الهستيريا على (تويتر)".  

ويلفت سازاك إلى أن "الشائعات عن اعتقاله أو اختطافه، بل مقتله أيضا، انتشرت، وحفلت وسائل التواصل الاجتماعي بالقصص عن رؤيته، حيث شوهد وحوله رجال بالزي المدني يدفعون في ممر فندق، وكانت هناك صورة للشرطة السرية وهي تتحرك نحو شقته، وصورة أخرى لمدرج مطار، حيث راهن ناخبو المعارضة عليه وبنوا آمالا عريضة، وعندما ظهر إنجه في اليوم التالي وكأن شيئا لم يحدث غضب الكثيرون، ففي الكثير من الدول يعد القبول المبكر بنتائج الانتخابات أمرا مشرفا، لكن في تركيا يعد الأمر خيانة".

ويذهب الكاتب إلى أن "الوضع لم يكن أكثر قتامة في مرحلة ما بعد الانتخابات منه لحزب الخير، حيث شهد اجتماع نهاية الأسبوع الماضي حفلة صراخ، فالوزيرة السابقة أكسينار أغضبت الكثير من أعضاء الحركة القومية السابقين، من خلال ترشيح عدد من حلفائها في مناطق انتخابية تنافسية خسروها، وفي المقابل خصصت المراكز الانتخابية الآمنة لشخصيات ذات حضور وجاذبية انتخابية، وكانت أكسينار قد برزت على الساحة عندما واجهت زعيم الحزب دولت بهشتلي، الذي كان في المعارضة وأصبح قريبا من حزب أردوغان الحاكم، وكان رهانها على فكرة نجاح الحزب بصفته حزب يمين وسط، لكنها لم تنجح، وعلى العكس خرج حزب بهشتلي من الانتخابات، فيما خسر حزب الخير ولم يقدم نتائج جيدة، تاركا الكثير من المعلقين يتساءلون بحيرة". 

وينوه سازاك إلى أن "الخلافات وغسيل الملابس القذرة انكشفا في حزب الخير، ووصل التوتر إلى ذروته عندما استقال الزعيم السابق لجناح الشباب عثمان إرتوك أوزيل، الذي استقال قبل الانتخابات بسبب المنطقة التي رشح لها، وعندما هاجمه أنصار خليفته علنا، وأمام الجمهور بشكل أدى إلى عراك بالأيدي، وقدمت أكسينار استقالتها في النهاية، ورغم إعلانها عن عدم نيتها الترشح لرئاسة الحزب، إلا أن حلفاءها فيه يحاولون جمع القدر الأكبر من الأصوات لتأمين ترشيحها، ولو انتخبت بهذه الطريقة فسيكون انتخابا بالتزكية، ويرى نقادها أن هذه هي خطة أكسينار". 

ويفيد الكاتب بأنه "في الوقت ذاته يعاني حزب الشعب الكردي من أزمة؛ ليس لأن قيادته في السجن، لكن للحرب المستعرة بين فصائل اليمين واليسار، ويرى الجناح اليساري للحزب فرصة في أزمة القيادة التي يواجهها حزب الشعب الجمهوري، ويناقش بأن التحول من القومية الكردية إلى السياسة اليسارية قد يوسع مجال دعم الحزب، خاصة بين الشباب، وبالتالي تحوله لحزب المعارضة في البلاد، وقد حاز زعيم الحزب دمرتاش على دعم المتعلمين المدنيين من الرجال والنساء، وقورن شبابه وجاذبيته مع باراك أوباما ورئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تيسبراس وغيره من قادة أوروبا الشباب".

 

ويستدرك سازاك بآن "قادة الحزب البارزين يرون في توجه الحزب لليسار تخليا عن مهمة الحزب الرئيسية، وهي: تحرير الأكراد، ورغم نفي الحزب وجود علاقة مع حزب العمال الكردستاني (بي بي كا)، إلا أنه من الصعب تجاوز الأثر الذي يمارسه هذا الأمر على حزب الشعب الكردي". 

ويجد الكاتب أنه "بسيطرة أردوغان على مفاصل القرار التنفيذي كلها في الحكومة، فإن الديمقراطية التركية في تراجعها الكامل، في وقت ينشغل فيه الساسة، الذين يمكنهم وقف التدهور التركي، بتبادل الاتهامات والإهانات". 

ويختم سازاك مقاله بالقول إن "المعارضة التركية تقاتل من أجل الحياة، إلا أن قادتها، وللأسف، يقاتلون لموتها طالما ماتوا على كراسيهم".

التعليقات (0)