قضايا وآراء

إقالة وزير داخلية تونس بين "المؤامرة" وحسابات السياسة

نور الدين العويديدي
1300x600
1300x600

أقيل وزير الداخلية لطفي براهم.. صار اليوم وزيرا سابقا، وهدأت بعد أيام من إقالته الحمى التي شبت نارها عقب قرار الإقالة، وهددت البلاد في أمنها واستقرارها.. فلم يعد اليوم ثمة من يدعو النقابات الأمنية للتمرد على الدولة والنزول للشارع، بهدف الضغط على رئيس الحكومة لإرجاع الوزير المقال لمنصبه.. لقد بات الوزير براهم مجرد وزير سابق.

لكن أسئلة كثيرة ما زالت تلف الشارع التونسي عن أسباب الإقالة، وحقيقة تورط الوزير السابق براهم في "مؤامرة" سعودية إماراتية للانقلاب على الديمقراطية ووأد الثورة التونسية، وهي الثورة الوحيدة من ثورات الربيع العربي الناجية من موجة المؤامرات والانقلابات والتخريب المنهجي.

 

أسئلة كثيرة ما زالت تلف الشارع التونسي عن أسباب الإقالة، وحقيقة تورط الوزير السابق براهم في "مؤامرة" سعودية إماراتية للانقلاب على الديمقراطية ووأد الثورة التونسية

نظرية المؤامرة في تفسير الإقالة

وهي نظرية شائعة جدا في تونس هذه الأيام في التعامل مع حدث الإقالة.. ولا تخلو السياسة يقينا من مؤامرات، ولكن لا يمكن تفسير كل شيء في السياسة أيضا بالمؤامرة.

يقول المفسرون لإقالة الوزير براهم بالمؤامرة؛ إن تونس اعتادت منذ عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة على عدم تولية مسؤولين أمنيين أو عسكريين لوزارتي الداخلية والدفاع. وإن الحالة الوحيدة التي عين فيها بورقيبة زين العابدين ابن علي في العام 1987 وزيرا للداخلية، وهو صاحب خلفية عسكرية أمنية استخباراتية معلومة، انتهى معها حكم بورقيبة بانقلاب قاده ابن علي.

ويتحدث هؤلاء عن أن براهم، وهو مسؤول أمني سابق برز نجمه في الحرس الوطني، واتهم بتلفيق ضربات استباقية للقضاء على المجموعات الإرهابية قبل أن يتولى وزارة الداخلية، متهم أيضا بأنه كان يخطط بالتعاون مع المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة و"حفتر" ليبيا لانقلاب أمني على الديمقراطية التونسية.

 

نظرية المؤامرة في تفسير الإقالة هي نظرية شائعة جدا في تونس هذه الأيام في التعامل مع حدث الإقالة.. ولا تخلو السياسة يقينا من مؤامرات، ولكن لا يمكن تفسير كل شيء في السياسة أيضا بالمؤامرة

ويستشهد هؤلاء على رأيهم بأن الوزير ذهب في زيارة استمرت خمسة أيام كاملة إلى السعودية، والتقى خلالها لساعات مع العاهل السعودي. وثمة من يقول إن الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي حضر اللقاء، وتم الاتفاق فيه على خطة الانقلاب، وأن رئيس الحكومة يوسف الشاهد استبق الأحداث، و"تغدى" بالوزير براهم قبل أن "يتعشى" به هذا الأخير، وأن الوزير بالوكالة الذي خلف براهم على الداخلية، أعني وزير العدل غازي الجريبي، قد قام بنحو 100 تعيين وإقالة في الأسلاك الأمنية العليا، مباشرة منذ أن وضع قدميه في الوزارة، لإرباك الانقلابيين ومنع إتمام الانقلاب في غياب رأسه: لطفي براهم.

جريدة فرنسية اسمها "موند أفريك"؛ نزلت بثقلها في دعم فكرة المؤامرة سببا لإقالة الوزير براهم. إذ تحدث الصحفي ورئيس التحرير نيكولا بو، وهو صحفي مهتم بمتابعة الشأن التونسي منذ سنوات وله كتب عن تونس، عن أن تحركات مريبة للوزير براهم جعلته محل شك ومتابعة من قبل الحكومة التونسية، ودفعت رئيس الحكومة يوسف الشاهد لاتخاذ قرار الإقالة بالتشاور مع رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، الذي كان هو من اقترح لطفي براهم قبل نحو تسعة أشهر لتولي وزارة الداخلية.

وقال الصحفي بو إن مصادر دبلوماسية غربية أكدت له أن اجتماعا سريا تم في جزيرة جربة التونسية (جنوب شرق البلاد)، جمع الوزير براهم مع مدير المخابرات الإماراتية، بعد عودته من اجتماع الفرقاء الليبيين في باريس يوم 29 أيار/ مايو الماضي.

وذهب الصحفي الفرنسي إلى أن المشاورات بين الوزير براهم ورئيس جهاز الاستخبارات الإماراتية؛ تضمنت إقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وأن يخلفه كمال مرجان، آخر وزير خارجية قبل الثورة. واعتبر بو أن الانقلاب أُجهض بعد وصول تقارير استخباراتية فرنسية وألمانية وجزائرية للحكومة التونسية، وهو ما جعلها تبادر إلى إقالة الوزير براهم، وإلى إحداث تغييرات كبيرة في وزارة الداخلية، شملت نحو 100 مسؤول أمني من القيادات العليا في الوزارة.

يوسف الشاهد وما بعد الإقالة

لا أحد يعلم يقينا حقيقة ما جرى.. وهل تم فعلا إجهاض مؤامرة انقلابية؟ أم هو مجرد تغيير وزاري في وزارة مهمة؛ أثار خيالا واسعا من البعض، جعله يتحدث عن مؤامرة؟ أم هناك بالفعل مؤامرة أخرى لا تزال تحاك ضد ثورة تونس، وتتغطى بإجهاض مؤامرة الوزير المقال؟.. الأمر الأكيد أن الزمن سيغربل ما يجري من أحداث وأخبار وإشاعات، وسنعرف، إن عشنا، الحقائق بعد مضي فترة من الزمن.

 

الأمر الثابت أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد على علاقة توتر منذ أشهر مع وزيره للداخلية. ويقال إن زيارة الوزير براهم للسعودية تمت دون علم رئيسه في الحكومة


وزير أملاك الدولة الأسبق في عهد "الترويكا" سليم بن حميدان، الناشط في حزب حراك تونس الإرادة، الذي يقوده رئيس الجمهورية السابق منصف المرزوقي، يشكك في رواية الصحفي الفرنسي. ويقول إن نيكولا بو معروف بتحليلاته المليئة بالإشاعات والأكاذيب. ويضيف ابن حميدان: "المحاولة الانقلابية الحقيقية ليست تلك التي خطط لها براهم (المنفوخ في صورته)، ولكن ما يخطط له (رئيس الحكومة يوسف) الشاهد في أفق 2019". ويقول: "ليست حركة النهضة من يروض الشاهد لحاجة تقضيها، بل هو الذي يراودها ويستسلم لها، لغاية في نفس جاكوب"، كما قال الوزير الأسبق.

الأمر الثابت أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد على علاقة توتر منذ أشهر مع وزيره للداخلية. ويقال إن زيارة الوزير براهم للسعودية تمت دون علم رئيسه في الحكومة. والثابت أن هناك خلافا كبيرا بين الوزير ورئيس الحكومة في ما يخص التعيينات على رأس الإدارات الكبرى والفرق الأمنية الرئيسية.. والثابت أيضا أن رئيس الحكومة قد تمكن أخيرا، عبر وزيره للعدل الذي أضاف له الإشراف بالنيابة على وزارة الداخلية، من تمرير التعيينات التي شاء، بعد أن أزيح براهم الذي كان يعترض عليها، وله بدائل عنها.. فهل ينجح الشاهد بهذه التعيينات الجديدة في "مؤامرة" الانقلاب على الديمقراطية، التي فشل فيها وزير داخليته السابق؟


قد يكون رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد نجا حقا من انقلاب أمني ضده وضد الثورة التونسية، عبر خطواته الاستباقية بإقالة الوزير لطفي براهم، وقد يكون الشاهد هو نفسه يستعد لانقلابه الناعم

أزمة الحكومة تراوح مكانها

 

 
قد يكون رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد نجا حقا من انقلاب أمني ضده وضد الثورة التونسية، عبر خطواته الاستباقية بإقالة الوزير لطفي براهم، وقد يكون الشاهد هو نفسه يستعد لانقلابه الناعم.. لكن الأكيد أن رئيس الحكومة لم يخرج بعد من عنق الزجاجة. فحزبه الذي جاء به للسلطة قبل أقل من عامين، أعني حزب نداء تونس، يطالب برأسه، ولولا دعم حركة النهضة لكان الشاهد قد طوي نجمه حتى قبل أن يقيل وزيره للداخلية.

آخر المواقف صدرت عن القيادي في حزب النداء منجي الحرباوي، اعتبر فيها أن حكومة الشاهد لم تعد حكومة وحدة وطنية، وإنما هي "رسميا" كما قال، حكومة حركة النهضة، وذلك بالرغم من أن معظم وزراء الحكومة وحتى رئيسها من حزب النداء، وأن النهضة ليس لها فيها سوى عدد محدود من الوزراء.


الحرباوي اعتبر أن التعيينات الأخيرة في مختلف المسؤوليات تصب في صالح حركة النهضة، وأن الحركة تتموقع في أجهزة السلطة، استباقا لائتلاف سياسي قد ينشأ على حسابها، إذ قال القيادي الندائي إن حزبه يخوض نقاشات متقدمة لتشكيل ائتلاف سياسي جديد، لن تشارك فيه حركة النهضة، ما يعني أن حزبه يتجه لإلغاء التوافق مع حركة النهضة، التي هزمته في الانتخابات الأخيرة، ورفضت التجاوب معه في إقالة حكومة يوسف الشاهد.

 

هل ينجح الشاهد بهذه التعيينات الجديدة في "مؤامرة" الانقلاب على الديمقراطية، التي فشل فيها وزير داخليته السابق؟


لكن حزب النداء لا يبدو على ما يرام. فالحزب الذي شهد العديد من الانقسامات منذ فترة، تدحرج أكثر في حمأة الانقسامات؛ بخروج رئيس الحكومة عن صمته ومهاجمة رئيسه ومنسق حزبه حافظ قايد السبسي نجل الرئيس الباجي. وهناك انقسام إضافي في كتلة النداء في البرلمان. فالكتلة التي فازت بـ86 مقعدا عام 2014 انتهت الآن نظريا إلى 56 مقعدا فقط، ولكن واقعيا لا يتجاوز عدد مقاعدها 40 مقعدا، إذ عدد من النواب أكثر ولاء لرئيس الحكومة منهم لمنسق الحزب حافظ قايد السبسي.

التوافق وتصريحات الحرباوي وبقاء الحكومة من ذهابها و"مؤامرة" الشاهد المزعومة، أمور كلها تنتظر ما بعد عيد الفطر لتستأنف الأحزاب لقاءاتها مع رئيس الجمهورية لحل الإشكال السياسي الذي تعرفه البلاد.. حل قد ينهي طموحات الشاهد، بإبقائه على رأس الحكومة، ولكن مع منعه وأعضاء حكومته من الترشح للانتخابات القادمة المقررة آخر عام 2019.

التعليقات (0)