كتاب عربي 21

حراس البوابة: يد إسرائيل الطولى

طارق أوشن
1300x600
1300x600

عندما يطالب وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، جلعاد أردان، بضرورة عودة سياسة الاغتيالات، في مقابلة له مع القناة الإسرائيلية الثانية ردا على أسماه التصعيد العسكري من قطاع غزة، فإنه لا يقوم إلا بتثبيت سياسة كانت ولا تزال مستمرة ولم تتوقف يوما إلا لحسابات سياسية وعسكرية إسرائيلية محضة، ولم تكن أبدا لاحترام المواثيق والأعراف الدولية. الكيان الذي أسسته عصابات الهاجانا لا يمكنه أن يستمر إلا بانتهاج "إرهاب الدولة" باعتباره المصطلح المحدث لأسلوب عمل العصابات.


في شهر أبريل من العام 1984، أقدم أربعة مقاتلين من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من قطاع غزة على اختطاف حافلة إسرائيلية بتل أبيب، بهدف استخدامها وسيلة للتفاوض على إطلاق سراح معتقلين، فيما عرف بقضية "الحافلة 300". أثبتت التحقيقات أن اثنين من المختطفين اعتقلوا أحياء قبل أن يتم إعدامهما ميدانيا.

 

في فيلم (حراس البوابة – 2012) للمخرج درور موريه، يقدم أبراهام بن دور (رئيس الشاباك 1980-1986) روايته للحدث.

 

أبراهام بن دور: لقد أوسعوهما ضربا.. سألت رئيس العمليات عن حالتهما فقال هما تقريبا ميتان. قلت: اضربوهما مرة أخرى وأنهوا الأمر. لكنه لم يفعل فقد أخذ صخرة وحطم رأسيهما بها. لقد كسروا عظامهم.. كان ذلك إعداما وحشيا..

 

الصحفي: وماذا عن الأخلاق؟

 

أبراهام بن دور: مع الإرهاب ليس هناك أخلاق. جِد الأخلاق في الإرهابيين أولا! إنها مشكلة تكتيكية ولم تكن استراتيجية. في الحرب ضد الإرهاب انس أمر الأخلاق.

 

أبراهام بن دور يلخص في كلمات بسيطة سياسة عصابات الهاجانا التي لا تزال تحكم العقلية الأمنية لدولة الاحتلال. قبل أيام فقط، غادر الأسير عزيز العويسات إلى دار البقاء بعد نقله إلى المستشفى جراء ما تعرض له من ضرب أفضى إلى الوفاة في جريمة قتل عمد أخرى تنضاف لسجل الانتهاكات الإسرائيلية في حق الأسرى الذين لا يختلف حالهم عن حال بقية أبناء الشعب الفلسطيني داخل سجنهم الأكبر، الأراضي المحتلة.

 

في الفيلم يتحدث كرمي جيلون مدير الشاباك في الفترة ما بين (1994-1996) مبررا تعذيب السجناء ويستحضر واقعة مقتل الأسير عبذ الصمد حريزات قائلا: يستخدم الهز ليعرف السجين مع من يتعامل.. إنه مجرد تخويف لا يؤذي. عندما يهزك المحقق تشعر بالتهديد. ما حدث هو أن شخصا كان يدعى حريزات من حماس تم هزه وكانت لديه حالة مرضية حيث أن دماغه ارتطم بجمجمته ومات نتيجة ذلك وأدى ذلك إلى حدوث جدل بيني وبين النائب العام الذي كان يعتقد أن هذا الأمر غير أخلاقي. قلت له أنه لو لم نستخدم هذا الأسلوب ما كنا لنتمكن من منع نسبة مهمة من العمليات الإرهابية وهو ما يعني المزيد من القتلى الإسرائيليين.


لم تتوقف الآلة العسكرية والمخابراتية الإسرائيلية يوما عن ملاحقة الفلسطينيين قادة ومقاومين ومواطنين عاديين داخل الوطن وفي أي موطئ قدم لهم في العالم بدافع حفظ الأمن القومي الإسرائيلي. وتوزعت أشكال الملاحقة بين الاغتيال والاختطاف والسجن دون رادع أخلاقي أو قانوني. عمليات القتل الممنهج الإسرائيلية عند العالم دفاع عن النفس في مواجهة الإرهابيين، وعمليات المقاومة الشرعية إرهاب. أما المستوطنون وعصاباتهم التي عاثت وتعيث في الأرض فسادا فلا تقع تحت طائلة القانون، أي "قانون".


(الجماعة اليهودية السرية) واحدة من المنظمات الإرهابية الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي، وكانت خطتها الأبرز تفجير قبة الصخرة لكن المسؤولين عن العملية حوكموا أحكاما مخففة وخرجوا من السجون وعادوا لوظائفهم بل حصل بعضهم على مناصب أعلى. الجندي أليور أزاريا قاتل الجريج الفلسطيني عبد الفتاح الشريف في مارس 2016، خرج أيضا من سجن لم يقض فيه غير تسعة أشهر. لا شيء تغير فـ"هم من لحمنا ودمنا" كما جاء في الفيلم.


يقول كرمي غيلون، رئيس الشاباك (1994-1996) إن عواقب تفجير قبة الصخرة كان من الممكن أن تؤدي إلى قيام حرب شاملة من جميع الدول الإسلامية لا العربية فقط أو إيران أو اندونيسيا ضد دولة إسرائيل.. أنا لا أتحدث عن المخاطر على الأقلية اليهودية في جميع أنحاء العالم التي قرر هؤلاء الناس جلبها نتيجة بعض المعتقدات الصوفية التي كانت ستؤدي إلى حرب دامية.


في الواقع الحالي، لم يعد الاعتداء على المقدسات الإسلامية بفلسطين ولا غيرها، أو تغيير الواقع على الأرض ضدا على كل الاتفاقات الدولية المرعية، يثير حفيظة ولا مشاعر الدول العربية ولا غيرها. الحكام صاروا يرون في الكيان المغتصب للأرض العربية قشة يستنجدون بها للبقاء في الحكم أو الوصول إليه. وصارت الأبواق العربية أكثر دفاعا وتبريرا للجرائم الإسرائيلية من أصوات من داخل الكيان. لقد أصبح من حق الإسرائيليين أن يكون لهم "وطن"، وأصبح من حق إسرائيل "الدفاع عن نفسها". أما "الإرهابيون" فصاروا العدو المشترك الذي يجب عليه أن يقبل بما يعرض عليه أو يصمت إلى الأبد. لقد اختلت موازين القياس التي تحول الجلاد ضحية والضحية جلاد.


ولم تكن الاختراقات التي قامت بها الأجهزة الإسرائيلية لأراضي دول أجنبية وعربية لتنفيذ مخططاتها وجرائمها وازعا لوضع العالم أمام مسؤولياتها في الحفاظ على استقلالية وسيادة الدول قبل أرواح الفلسطينيين. قبل سنوات خرج علينا مدير شرطة دبي، ضاحي خلفان، متبخترا بكاميرات أجهزته التي صورت مختلف فصول عملية اغتيال محمود المبحوح وكأنه نصر للأمة. لم يستطع خلفان أن يمنع الموساد من اختراق بلده واللعب بأنظمتها لتنفيذ عملية اغتيال فتحول إلى مجرد مجمع للمقاطع المصورة إن لم يكن مساهما في إخراجها في الخفاء. ما يتسرب في الشهور الأخيرة من تعاون وثيق بين الإمارات وكثير من الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي  لا يترك مجالا للشك ف"العدو" المشترك واحد.

 

لم تسلم أي من الدول العربية وكثير من دول العالم من اختراقات الموساد الإسرائيلي وكأنها ساحة حرب مفتوحة لا رقيب عليها. وعندما تسقط جماعات الاغتيال الإرهابية في الامتحان تجد في السفارات الإسرائيلية ملجأ لها أو في غياب اتفاقات تبادل المجرمين متنفسا للهرب من العدالة. ولعل قاتلي المهندس التونسي محمد الزواوي آخر المستفيدين من "تسامح" العالم مع الإجرام الإسرائيلي ومن بعده من قتلوا فادي البطش واللائحة مفتوحة على أسماء في الداخل والخارج وفي كل مكان.


في المغرب، تم اكتشاف معهد للتدريب العسكري يؤطره إسرائيليون تحت مرأى ومسمع السلطات. ولم تتحرك الأجهزة الأمنية لإغلاقه إلا بعد ضجة كبرى أثارها المرصد المغربي لمناهضة التطبيع ومجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين. لم يعد التطبيع مقتصرا على العلاقات السياسية والتجارية بين الحكومات بل صار للتجربة الأمنية-الإجرام الإسرائيلي أتباع ومريدون. يد إسرائيل الطولى لم تعد إسرائيلية فقط بل امتدت الكثير من حناجر "الأشقاء" للتبرير لها بل أياديهم للمساهمة الفعلية في تنفيذ جرائمها.


في فيلم حراس البوابة يتحدث أبراهام بن دور رئيس الشاباك في الفترة (1980-1986) عن انطلاق عمليات الاغتيال والتصفية قائلا: في حرب الأيام الستة، كنت مشاركا في العمليات. استسلم العرب وتركنا فجأة دون عدو. أنت مثل كلب في سباق تبحث عن أرنب.. الأرنب يذهب تحت الأرض والكلب لا يمكنه العثور عليه. لقد كنا كذلك. بدأنا العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة لمكافحة الإرهاب دون معرفة ماهية الإرهاب بحد ذاته. تدريجيا كان هناك ازدياد، أو بعبارة ساخرة لحسن حظنا ازداد الإرهاب. لماذا أقول هذا؟ لأننا أصبح لدينا عمل وتوقفنا عن التعامل مع الدولة الفلسطينية. وبمجرد توقفنا عن التعامل مع الدولة الفلسطينية بدأنا التعامل مع الإرهاب.. لذلك نسينا القضية الفلسطينية.


زميله عامي أيلون انتهى للقول: نفوز في كل معركة لكننا نخسر الحرب. مسيرة العودة الكبرى أكبر دليل على الإبداع الفلسطيني في المقاومة بشكل يجعل خسارة الحرب أمرا محسوما ولو بعد حين.

0
التعليقات (0)