صحافة دولية

نيويورك تايمز: ما نتائج حماس ترامب الزائد تجاه إسرائيل؟

نيويورك تايمز: سياسة ترامب تؤدي إلى تصدير لحروب أمريكا الثقافية إلى الخارج- أ ف ب
نيويورك تايمز: سياسة ترامب تؤدي إلى تصدير لحروب أمريكا الثقافية إلى الخارج- أ ف ب

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالا للكاتب ماكس فيشر، يقول فيه إن السياسة الخارجية الأمريكية امتازت بالعشوائية بشكل عام، إلا في قضية واحدة تعاملت معها برأي واحد وإصرار، وهي الصراع العربي الإسرائيلي.

 

ويقول فيشر: "عبرت أفعال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل متسق عن المفهوم الأمريكي في كون أمريكا (مناصرة لإسرائيل)، لكن ذلك مفهوم لا علاقة له بالصراع ذاته، لكن بالحروب الثقافية الخاصة بأمريكا".

 

ويوضح الكاتب أن "الحوارات المريرة حول الإرهاب والتسامح، المستقطبة على الخطوط الديمغرافية والحزبية، أثارت فصيلا في أمريكا للتعبير عن هويته بشكل جزئي من خلال التضامن مع الإسرائيليين ومعارضة الفلسطينيين".

 

ويشير فيشر في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن "السياسيين الأمريكيين لطالما اهتموا بهذا الرأي، لكن ترامب هو أول رئيس يجعله سياسة رسمية، فالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتهديد بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وهو ما لم يتم إيضاحه بصفته سياسة خارجية، يجد صدى على المستوى المحلي".

 

ويلفت الكاتب إلى أن ترامب غرد على "تويتر" هذا الشهر، قائلا: "ندفع للفلسطينيين مئات ملايين الدولارات في العام ولا نحصل على احترام أو تقدير"، منذرا بقرار يمنع دفع مبلغ 65 مليون دولار لوكالة الأمم المتحدة التي تقدم مساعدات للاجئين الفلسطينيين.

 

وتذكر الصحيفة أن نائب الرئيس، مايك بنس، وهو مسيحي إنجيلي، يزور إسرائيل هذا الأسبوع؛ تتويجا لسنوات من تأييده لدولة على أسس دينية، مستدركة بأنه في الوقت الذي تؤيد فيه المجموعات الإنجيلية الأمريكية سياسات الإدارة، فإن المسيحيين الفلسطينيين يعارضونها والبابا ينتقدها.

 

ويقول فيشر إن "هذه السياسات لا تتماشى مع التضامن الديني، ولا واقعية السياسة الخارجية، التي من المفترض أنها تحركها، لكنها تتماشى تماما مع سياسة الهوية الأمريكية، ويعد ترامب بخلطه لميوله القومية وعدم اكتراثه لمبادئ السياسة الخارجية، الوعاء المثالي لنقل تلك الحرب الثقافية للخارج، وما يترتب على ذلك من تداعيات بعيدة المدى".   

 

ويفيد الكاتب بأن "الأمريكيين اليوم أصبحوا مستقطبين أكثر من أي وقت سابق في تاريخهم الحديث، وفي العادة لا يختلفون على السياسة الخارجية، لكنهم ينقسمون بخصوص إسرائيل وكأنها قضية محلية، وهو ما يشير إلى أنهم سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه فإنهم يتعاملون معها كذلك".

 

وينوه فيشر إلى أنه "لدى سؤالهم، هل يتعاطفون مع الإسرائيليين أم مع الفلسطينيين بشكل أكبر؟فإن الجمهوريين يجيبون: تقريبا 7 إلى 1 مع إسرائيل، بحسب استطلاع لمؤسسة (بيو)، في الوقت الذي ينقسم فيه الديمقراطيون بالتساوي تقريبا، ومن بين الأحزاب فإن تلك المحافظة تميل أكثر نحو إسرائيل".

 

ويعلق الكاتب قائلا إن "هذه الهوة بين الأحزاب هي الأكبر منذ بدأت شركة (بيو) تطرح السؤال عام 1978، ويمكن تطبيق ذلك على أي سياسة تتعلق بالإسرائيليين والفلسطينيين، ما يشير إلى أن الأمريكيين يشكلون آراءهم بناء على شعورهم بأنهم أقرب إلى طرف من الآخر".

 

ويبين فيشر أن "اختيار الأطراف كان دائما أمرا محرما في السياسة الأمريكية، حيث يصر الرؤساء على أن أمريكا يجب أن تبقى محايدة لتستطيع التفاوض على السلام، وتخلي ترمب عن هذه الممارسة يستجيب لمطلب رئيسي للمحافظين".

 

ويستدرك الكاتب بأن "هذا المطلب جديد نوعا ما، وأصوله تفسر بشكل كبير تصرفات ترامب تجاه إسرائيل، وكيف تتواءم مع ميوله لإذكاء الانقسامات الأمريكية".

 

ويشير فيشر إلى أنه عندما نظم الإنجيليون أنفسهم في ثمانينيات القرن الماضي، ككتلة سياسية، وضعوا إسرائيل أولوية، وبعضهم فسر الإنجيل على أنه يعطي الحق لإسرائيل في السيطرة على الأراضي الفلسطينية، لافتا إلى أنه عندما سعى الديمقراطيون في التسعينيات إلى التغيير الاجتماعي، فإن الإنجيليين انضموا إلى الحزب الجمهوري. 

 

وتنقل الصحيفة عن روبرت نكلسون، الذي يقود مجموعة ضغط مسيحية، قوله في بريد إلكتروني: "إن إسرائيل ليست قضية بالنسبة للإنجيليين بدرجة قضية رفع القيود، أو قضية سياسة الضرائب.. إنها مسألة هوية".   

 

ويجد الكاتب أنه "مع أن هذا قوّى من توجهات الجمهوريين المؤيدة لإسرائيل، فإن استقطاب الأحزاب لم يكن متعلقا بهذه القضية، فكثير من الإنجليين يعبرون عن دعمهم بصفته شعورا بالقرابة الروحية أكثر منه عداء للفلسطينيين، فهناك مسيحيون فلسطينيون، كما أن ترامب، الذي يحظى بشعبية بين الإنجيليين، بالكاد يمكن اعتباره مسيحيا".

 

ويلفت فيشر إلى أن بحثا للباحث الإسرائيلي في العلوم السياسية، أمنون كافاري، كشف عن أن الآراء المتطرفة المتعلقة بإسرائيل انتشرت بين المحافظين في الفترة الأخيرة فقط؛ وذلك بسبب الاستقطاب الحزبي بشأن قضايا محلية، مستدركا بأنه "رغم أن المنطق يقول إن المجموعات الإنجيلية واليهودية هي مصدر الطاقة للآراء المحافظة بخصوص إسرائيل، إلا أن الواقع يقول العكس".

 

ويذكر الكاتب أن "هذا التوجه بدأ منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، التي قسمت أمريكا بخصوص قضايا الإرهاب والتعذيب والاستيعاب، خاصة استيعاب المسلمين، حيث أصبح هذا الحدث هو الأساس الذي قامت عليه حرب ثقافية، صادف وأن توافقت تماما تقريبا مع صراع حقيقي بين الاسرائيليين والفلسطينيين، وكانت تلك هي فترة الانتفاضة الثانية، فقام المتطرفون بهجمات إرهابية مرعبة، وأدت الأفعال الإسرائيلية إلى قتل الكثير من المدنيين، الأمر الذي كان له صدى عند الأمريكيين، وشجع الزعماء الإسرائيليون، الذين يسعون للحصول على الدعم الأمريكي، على أن ينظر الأمريكيون إلى الصراع على أنه واحد". 

 

ويبين فيشر أن "التعامل مع الإرهاب بقسوة أصبح قيمة جديدة من قيم المحافظين، وتم التعبير عنه جزئيا بدعم إسرائيل، وتماشى هذا أيضا مع مواقف سلبية من المسلمين، وخلق مناخ سياسة نحن ضدهم، الذي ساوى بين دعم إسرائيل ومعاداة الفلسطينيين".

 

ويستدرك الكاتب بأنه "مع أن جورج بوش الابن، الذي كان رئيسا وقتها، شجع كلا من استيعاب المسلمين والحيادية تجاه إسرائيل، لكن الاستقطاب جر بعض المحافظين للنظر إلى الصراع بمنظور نظرية المجموع الصفري (الذي تكون فيه محصلة مكاسب الأطراف وخسائرهم صفرا)، ولذلك يجب معارضة الفلسطينيين إلى أقصى حد؛ لأن الأمر (مسألة هوية)".  

 

وينوه فيشر إلى أن "هذا أدى إلى وجود هوة بين سياسة (الهوية) لقاعدة الجمهوريين وسياسات قادة الحزب، وهذه الهوة بالذات هي التي استغلها ترامب في المرحلة الأولى من السباق الرئاسي، حيث تقدم بقول ما أحجم الآخرون عن قوله، كما أنه استغل الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وركز على مسألة (الهوية)؛ لكسب من شكل قاعدته فيما بعد".

 

ويذكر الكاتب أن "ترامب دعا إلى قيود قاسية على الهجرة، وبالذات على الدول ذات الأكثرية المسلمة، التي قال إن مواطنيها يشكلون تهديدا، وبفعله هذا فإنه ربط الخوف من التغيرات الديمغرافية بالخوف من الإرهاب، واستغل حالة الاستقطاب بشأن إسرائيل لتحفيز مؤيديه ضد باراك أوباما، الذي صوره دائما على أنه مولود خارج الولايات المتحدة وأنه مسلم ومعاد لإسرائيل، وكان هذا واحدا من عدد من القضايا على برنامجه لدى وصوله للرئاسة، بالإضافة إلى الحد من الهجرة القانونية، فقام ترامب باتخاذ خطوات أحادية الجانب بهذا الشأن، والآن يضغط باتجاه نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في أقرب فرصة".  

 

ويرى فيشر أن "هذه السياسات تشبع مطالب المحافظين المتزايدة بأن تتخلى أمريكا عن حياديتها التقليدية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبدلا من ذلك الوقوف إلى جانب إسرائيل بشكل علني".

 

ويجد الكاتب أنه "مع أن البعض يقول إن المجموعات المؤيدة لإسرائيل هي المسؤولة عن هذا التحول، إلا أن علاقة ترامب بتلك المجموعات لم تكن قوية، لكن يبدو أنه يتماشى مع قاعدة الجمهوريين، حيث رأى 51% من الجمهوريين عام 2014 أن على أمريكا أن تنحاز لإسرائيل في محادثات السلام، وأصبحت هذه النسبة اليوم 58%".  

 

ويختم فيشر مقاله بالقول إنه "في الوقت الذي يتنامى فيه الدعم لإسرائيل بين المحافظين، فإنه يتراجع بين اليهود الأمريكيين، الذين يعارضون نقل السفارة إلى القدس بنسبة 3 إلى 1".

التعليقات (0)