قضايا وآراء

هل ثورة الجياع قادمة إلى البلاد العربية؟

امحمد مالكي
1300x600
1300x600

تجتاح البلاد العربية موجاتٌ من الاحتجاجات، طالت دولاً كثيرة في مغرب العالم العربي ومشرقه، ويُتوقع أن تستمر، وتدوم، وتتصاعد وتيرتها، بسبب العوامل الموضوعية المسؤولة عنها، والمُسببة لنشوبها.

والحقيقة أنها ليست ظاهرة جديدة، أو مستجدة في المنطقة العربية، فقد لجأت المجتمعات العربية في أكثر من مرة ومناسبة إلى اعتماد آلية الاحتجاج للتعبير عن مطالبها حيال السلطة وصناع السياسات. بيد أن احتجاجات الألفية الجديدة موسومة بمتغيرات لم تكن حاضرة خلال القرن الماضي، لعل أبرزها ثورة التكنولوجيات الجديدة، وما تتيح لمستخدميها من إمكانيات هائلة لربط الاتصال، وتبادل المعلومات، والتواصل من أجل تكتيف الجهود للضغط على الحكومات، وهو ما لم يكن متاحاً نهائيا خلال عقود القرن الماضي، أو القرون التي سبقته. لننظر إلى منصات التواصل الاجتماعي، وما تتيح من إمكانيات بالنسبة للمنظمات الاجتماعية بمختلف أنواعها وأشكالها. ولنتمعن في الأدوار التي تقوم بها في التفاعل بين المجتمعات وحكامها، وبين الدول ذاتها.. ألم نلاحظ أن أخطر السياسات التي اتخذتها دولة عظمى، كالولايات المتحدة الأمريكية، كان مصدرها تغريدات الرئيس "نرامب" على "تويتر"؟

 

احتجاجات الألفية الجديدة موسومة بمتغيرات لم تكن حاضرة خلال القرن الماضي، لعل أبرزها ثورة التكنولوجيات الجديدة، وما تتيح لمستخدميها من إمكانيات هائلة لربط الاتصال

 

يتعلق المتغير الثاني، إلى جانب ثورة المعلومات، بالوعي الذي اكتسبته المجتمعات العربية نتيجة عوامل كثيرة من أهمها هذه الثورة المتنامية في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي سيزداد ويتعمق أكثر.. فالمجتمعات العربية من منظور أجيالها الجديدة، لم تعد راضية بما صُوِّرَ لها من أن هذا قدرُها، وعليها أن تقبله وترضى بقسمته، بل أصبح الشباب، وهم الشريحة العريضة في المجتمع، يُطالبون دولهم بأن تعاملهم بالتكافؤ والاستحقاق، وأن تقوم بالواجبات المنوطة بها بمقتضى الدساتير والقوانين ذات العلاقة، وأن على البلد أن يكون بيتا للعيش المشترك، على قاعدة الحقوق والواجبات أي على قاعدة المواطنة، ليس إلا.

ما يميز الاحتجاجات المتصاعدة في البلاد العربية أنها شبه عامة، اكتسحت الدول التي حصلت فيها تغييرات في رأس السلطة (تونس وليبيا ومصر)، وفي تلك التي أدخلت إصلاحات ضمن استمرارية النظم (المغرب، الأردن)، أو حتى في بعضها التي لم تعرف حراكا بارزا مع بداية العام 2011 وما تلاه من سنوات، كما هو شان كل من المملكة العربية السعودية والجزائر والسودان.

نحن إذن أمام احتجاجات اجتماعية شاملة، لم تقتصر على البلدان غير النفطية، بل البلاد النفطية أيضا.

 

والشاهد على أنها احتجاجات مفتوحة على التطور والتصاعد والاستمرار؛ أن مسبباتها لم تعد خافية، بل غدت واضحة للجميع، بل إن الكثير منها تم الاعتراف بها صراحة من قبل الحكومات وصناع السياسات أنفسهم. لذلك، وبسبب درجة الوضوح التي طبعت حركات الاحتجاج في البلاد العربية، لم يعد مقبولا ولا ممكنا اللجوء، كما دأبت الكثير من النظم على فعل ذلك سابقا، إلى اتخاذ إجراءات "ترقيعية" مقطوعة عن سياقها، وغير ناجعة ولا فعالة حتى في المدى القريب، فبالأحرى المتوسط والبعيد. كما لم يعد ممكنا امتصاص الغضب بإعادة تدوير عائدات الثروة النفطية، في شكل "مَكرُمات"، أو منح وامتيازات، توزع بعد الفينة أو بأخرى، وبحسب الظروف والسياقات، كما لم يعد مفيداً شراء الذمم، ورشوة بعض الفئات الاجتماعية، وعزلها عن باقي مكونات المجتمع.. إن كل هذه السياسات والقرارات التنفيذية الناجمة عنها، تآكلت ولم تعد مقبولة ولا شرعية. فالمطلوب إذن، لإعادة بناء علاقة تعاقدية جديدة بيد الود والمجتمعات في البلاد العربية، اجتراح رؤية وفلسفة جديدة لصياغة هذا التعاقد.

 

نحن إذن أمام احتجاجات اجتماعية شاملة، لم تقتصر على البلدان غير النفطية، بل البلاد النفطية أيضا

من يقرأ شعارات حركات الاحتجاج في البلاد العربية ويحلل مضامينها، يُدرك أن عمق المشكلة في العلاقة المعطوبة بين الدول والمجتمعات، هو الفساد أولا والفساد أخيرا، ولا شيء أهم وأخطر من الفساد. ولعل ما يعقد سُبل الخروج من الفساد والتحرر من شرنقته، أنه تحول، بسبب ديمومته واستمراره عدة عقود، إلى ثقافة، أي "ثقافة الفساد"، وهذه أخطر مراحل تطور الفساد وأعلاها درجة. لكن إذا كانت الثقافة، بحسب صلتها بذهن الإنسان ووجدانه وعقله، تتطلب زمنا طويلا لكي تتغير وتتحول إلى ثقافة جديدة، لنسمها "ثقافة النزاهة والاستحقاق واحترام المال العام والخاص"، فإن البداية تكون بخطوة واحدة، أو كما يقول المثل الصيني "رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة".. ولنحرص جميعا، وبدون استثناء، حكاما ومحكومين، بخطوة صحيحة وثابتة ومدروسة في طريق الحد من الفساد والسعي إلى القضاء عليه. ولنراكم بعدها الخطوات دون ملل، وبالإرادة واليقظة المطلوبة، ولنحرص على أن تكون بوصلتنا التقييم والتقويم المستمرين، ولنعي النتائج ونفهم مضامينها ونتابع المسيرة..

 

من يقرأ شعارات حركات الاحتجاج في البلاد العربية ويحلل مضامينها، يُدرك أن عمق المشكلة في العلاقة المعطوبة بين الدول والمجتمعات، هو الفساد أولا والفساد أخيرا

هذه هي قصة التجارب الناجحة في مجال محاربة الفساد في أوطان عاشت نتائجها المضرة بالعباد والبلاد. أما أن نضع ترسانة من القوانين، وننفق أموالا على مؤسسات، ونوقع على معاهدات دولية ذات صلة بمحاربة الفساد، ونترك الفساد أمام أعيننا يتزايد ونحن صامتون.. فهذا تفريط في حقوق المجتمعات، وتشجيع على استمرار الفساد ينخر مجتمعاتنا.. إننا كمجتمعات عربية في حاجة إلى قدوة في مجال محاربة الفساد، وليس مثالا للتشجيع عليه بشكل ضمني أو صريح، والتجارب واضحة أمامنا.. لننظر إلى الصينيين الذين كثيرا ما حاربتهم النظم العربية باسم الأيديولوجيا، كيف تقود قيادتهم مسيرة تطهير البلاد من الفساد.. ففي بضع سنوات أعدمت آلاف الأطر من الحزب الشيوعي الصيني بعدما ثبتت إدانتهم في ملفات الفساد.. أما بعض نظمنا فإما تكافئ الفاسدين بترقيتهم، أو تحجزهم في فنادق من خمس نجوم لأخذ جزء كبير من ثرواتهم نظير الإفراج عنهم.. "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".. رحم الله أبو الطيب "المتنبي".

التعليقات (1)
مصري جدا
الثلاثاء، 16-01-2018 02:58 م
الجياع لا يصنعون ثورة ،، وانما يصنعون فوضى تهدم ما تنجزه الثورات