كتاب عربي 21

عندما قال الشيخ: هذا عقد باطل

صلاح الدين الجورشي
1300x600
1300x600

تم تسجيل التجربة التونسيّة في مجال إلغاء العبودية؛ في ذاكرة العالم بمنظمة اليونسكو. هذا الخبر الهام أشعر التونسيين مرة أخرى بأن قيمة البلدان والشعوب لا تقاس فقط بعدد السكان ومساحات الجغرافيا، وإنما بمدى عمق تاريخها، وبقدرة سكانها على دخول التاريخ من أوسع أبوابه.

أصدر أحمد باشا باي يوم 23 كانون الثاني/ يناير 1846؛ قرارا تم بموجبه إلغاء نظام الرق والعبودية في تونس بشكل نهائي، وبذلك، أصبحت تونس أول بلد في العالم يعتبر أن المتاجرة بالبشر في سوق النخاسة أو في أي مكان آخر جريمة يعاقب عليها فاعلها. ومع حلول شهر كانون الثاني/ يناير القادم، سيمر على هذا القرار التاريخي 171 عاما، والذي بفضله اقتدت به بقية دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن هذا القرار كان بمثابة مقدمة لسلسلة من القرارات والإجراءات الجريئة والثورية. إذ بعد 11 عاما من ذلك القرار، صدر في سنة 1861 عهد الأمان، فكانت بذلك تونس أول بلد عربي يستند في حكمه على دستور.

كادت هذه الحزمة من القرارات التشريعية أن تفضي بتونس إلى نهضة سياسية سابقة لأوانها؛ لولا التدخل العسكري الذي أقدمت عليه فرنسا، والذي بموجبه تم إخضاع هذه البلاد للاستعمار المباشر تحت عنوان "الحماية"، وذلك في سنة 1981.

 

عندما توقف المؤرخون عند قرار إلغاء العبودية في تونس، ركز الكثير منهم على دور القناصل الأوربيين. لكن نادرا ما تم الالتفات إلى شخصية كان لها تأثير حاسم في القرار


عندما توقف المؤرخون عند قرار إلغاء العبودية في تونس، ركز الكثير منهم على دور القناصل الأوربيين والضغوط التي مارسوها على الباي، ليدفعوا به إلى اتخاذ هذا القرار؛ خدمة لمصالح دولهم. ولكن نادرا ما تم الالتفات إلى شخصية محورية كان لها تأثير حاسم في ما أقدم عليه أحمد باشا باي، وذلك بالرغم من أن كل العالم الإسلامي، بما في ذلك عاصمة الخلافة العثمانية، تزخر بأسواق العبيد.

من المعالم الدينية في تونس؛ زاوية الشيخ إبراهيم الرياحي. ويظن الكثير من عوام التونسيين، وحتى معظم المتعلمين والمثقفين والسياسيين، أن الرجل كان أحد الدراويش والزهاد الذين تفرغوا لعبادة الله، في حين أنه كان فقيها وأحد علماء الزيتونة. وانتسب إلى الطريقة الشاذلية ثم إلى التيجانية منذ سنة 1796م، وكان أوّل من اعتنقها في تونس ونشط لنشرها انطلاقا من زاويته.. كما تولى التدريس في الأزهر لفترة قاربت السنتين. وفي سنة 1838م، أوفده المشير أحمد باي الأوّل إلى السلطان العثماني في إستنبول، محمود خان، لإعفاء الإيالة التونسية من الضريبة، ونجح في مهمته. ثم تولى إمامة جامع الزيتونة، فكان أول من جمع بينها وبين رئاسة المذهب المالكي بتونس.

وقد عرف الشيخ بحماسته ومناصرته لمختلف الإجراءات التحديثية التي أقرها أحمد باي. كما عرف أيضا بانحيازه إلى الفقراء والمظلومين في مقابل "نقد ظلم القياد (الولاة) أمام الباي" بجرأة نادرة منه. ولهذا، بكاه المستضعفون في البلاد عندما وافاه الأجل، وحولوا قبره إلى مزار يتبركون به ويبوحون له سرا - حتى بعد مماته - بمعاناتهم وشكواهم من ظلامهم وحاكميهم.

قبل أن يقرر الباي البت في ملف العبودية، لجأ إلى الشيخ إبراهيم الرياحي الذي يثق في علمه وفي خلقه، وسأله عن رأي الشرع في هذه المسألة. فكّر الشيخ مليا، والتفت إلى يمينه ويساره وخلفه فوجد أن الرأي السائد لدى فقهاء الإسلام هو اعتقادهم بأن شراء العبيد وبيعهم يعتبر عقدا صحيحا من حيث الأصل، وأن كل ما ارتقوا إليه في هذا السياق هو دعوة بعضهم إلى الرفق بهؤلاء العبيد، واعتبار أن لهم حقوق يجب مراعاتها مثل تجنب ضربهم، وعدم تجويعهم، والرفق بهم..

لم يكن الشيخ الرياحي من أنصار هذا التوجه، وإنما التفت إلى الباي وقال له إن هذا الأمر ليس ذا موضوع، مما يعني أن بيع العبيد يعتبر من حيث الأصل عقدا باطلا وغير شرعي. وبذلك يكون الرجل قد تخلص - في لحظة وعي - من تراث فقهي ثقيل هيمن لمدة قرون على مجمل الفقهاء والأصوليين، مما جعلهم يقرون - سواء وعوا بذلك أو لم يعوا - بظلم لحق ملايين الرجال والنساء الذين سلبت منهم حريتهم، وانتهكت خصوصياتهم وأعراضهم، وتم الاعتداء على كرامتهم؛ بسبب لون البشرة أو بحجة السبي خلال الحروب. ونسي هؤلاء قولة ابن الخطاب التي أطلقها في القرن السابع، ولم تجد صداها إلا عند صياغة مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. لقد قال الفاروق: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

التعليقات (1)
تونسي
الإثنين، 13-11-2017 08:20 م
أرجو إصلاح الأخطاء التاريخية عهد الأمان كان في سنة 1859 وليست سنة 1861 تلك سنة اول دستور تونسي تم احتلال تونس سنة 1881 وليست سنة 1989 وشكرا